الدكتور/ عبد الرحيم عبادي
إنّ علاقة الفنّ بالتغيير هي المظهر الظاهراتي للثورة على الواقع القائم، ان دور الثقافة بشكل عام، والفنّ بشكلٍ خاص، لأجل مساءلة مزدوجة للواقع السياسي والاجتماعي، ولواقعهما الثقافي والفنّي؛ فالسلطة ليست فقط سياسية أو دينية، فهي كذلك سلطة ثقافية، “فإنّ كثيرًا من المثقّفين الذين ينتقدون الأنظمة وسلطاتها وحكّامها، هم غارقون في آفاتها ومساوئها”.
ووظيفة الفنّ هو أن يكشف عن تناقضات السلطة السياسية والثقافية، ويقيم ثورة داخل الوعي الفني لهذا الواقع.
لقد كلّفت الجمهورية الإسبانية الثانية بيكاسو في يناير 1937م، برسم لوحة جداريّة كبيرة من أجل عرضها في الجناح الإسباني في معرض باريس الدوليّ عام 1937م.
عمل بيكاسو ببطئ إلى حدّ ما من يناير إلى أواخر أبريل على الرسومات المبدئية لمشروعه، لكن بعد سماعه للتقارير عن قصف غورنيكا في 26 أبريل، تخلّى بيكاسو عن فكرة مشروعه الأولية، وبدأ برسم سلسلة من الرسومات الأولية لغورنيكا.
يحدث المشهد داخل غرفة، على اليسار منها يقف ثور واسع العين فوق امرأة حزينة تحمل طفلاً ميتاً بين ذراعيها، وفي وسط الغرفة نجد حصانًا متألمًا جدًا مع وجود فجوة كبيرة في جانبه، وكأنه قد طُعن برمح. يتمدّد تحت الحصان جندي ميت ويده التابعة لذراعه اليمنى المقطوعة تحمل سيفًا مُحطمًا.
ومن الناحية الرمزية يشير كل شكل في هذه اللوحة الى معنى عميق، فمثلا: الثور، يرمز الى وحشية القوات النازية المخرّبة التي لا تحكّم العقل ولا تحترم القيم الاخلاقية والانسانية.
الحصان، يرمز إلى أسبانيا الجريحة (لاحظوا التعبير على وجه الحصان وفتحة فمه وأسنانه التي تعطى إحساساً رهيباً بالألم والمعاناة المختلطين بالغضب العاجز عن فعل شيء).
والرأس التي تصيح والذراع الذي يحمل المصباح، يرمزان إلى الضمير الإنساني الذي يلقى الضوء على مأساة قرية “غورنيكا” ليندب ضحاياها ويدعو الانسان إلى التأمّل والتساؤل: كيف خلقَ بذاتهِ أدواتِ التخريبِ التي يستخدمها بنفسهِ ليحطّم حضارتَهُ ويذبح إنسانيّته غير آبهِ بالقيمِ التي من المفترض أنه بلورها عبر العصور؛ اذ يظهرُ أعلى الحصانِ من جهة اليمين امرأةٌ خائفةٌ تراقبُ المشهد من خلال نافذة وتحمل بيدها مصباحاً مُضاءً باللهب.
أما الخناجر التي توحي بالصراخ حلّت محل ألسنة الحصان والثور والمرأة الحزينة.
فترجمه هذه اللوحة التي تمثّل الحرب الأهلية ومصائبها في أسبانيا تمثل ردة فعل من جانب بيكاسو للهجوم النازى الوحشى على قرية “غورنيكا” الأسبانية وتحطيمها بالقنابل إبّان تحالف “فرانكو” طاغية أسبانيا مع النازيين فى فترة الحرب الأهلية الأسبانيّه.
لعل تقاربَ الأفكارِ وإن كانَ بغيرِ قصدٍ، يعكسُ المخيلةَ التي يتمتعُ بها الفنانُ عن سواه من الاختصاصات الأخر.
فقد صممَ نصب الحريةِ للفنان (جواد سليم) عام 1961م كجدارية وعلى غير العادة معلقاً، إذ يرتفع ثمانيةَ أمتارٍ عن الأرض، كما يجمعُ بينَ الرسمِ والنحتِ في ما يُعرف بالـ”ريليف” أو النقشُ البارزُ.
ويُقرأ كملحمة تصويرية لمراحل العراق قبل “ثورةِ 14 تموز” 1958م وأثناءها وبعدها، من اليمين إلى اليسار، مكوناً من 14 منحوتةٍ، في قراءتهِ للنصبِ من اليمينِ إلى اليسارِ، اذ يوجد أربع مجموعاتٍ، موزعاً المنحوتات من الحصان إلى كف المتظاهر الذي يبدو بهيئةٍ راقصةٍ.
بينما تمتدُ المجموعةُ الثانية لتبلغ حدودَ المرأة الحانيةٍ على الطفلِ.
وتبدأ الثالثة من مشهد خروج السجناء السياسيين من سجنهم، وحتى تمثال المرأةِ الممثلةِ للخصوبةِ، ويختتم المجموعات بموضوع الفلاحة والعمل، فهي تجمع ما بين شكل العامل حاملِ المطرقة وحتى شكل الفلاحةِ حاملُ الحصيدَ أو الواقفةُ إزاءَ النخلةِ.
ووفق هذا التأويل، فإن العلاقة بين الكتل (المنحوتات)، وكل منها يرمز إلى وظيفة محددة، تكمّل بعضها البعض الآخر، تعاقبياً، لتكون المجموعة الأخيرة من النصب مقابلة للأولى : فالثور يقابل الحصان/ والعامل يقابل حامل اللافتة/ والأشخاص الثلاثة من الفلاحين يقابلون الممسك بالعدة والممسك باللجام، بالميت الساقط على الأرض وفي الجانب الأيسر، نشاهد رموزاً لنهري دجلة والفرات والزراعة والثور والصناعة، أما القطعة الرابع عشرةَ والأخيرة في الجدارية، تصوّر وقفة مهيبة عامل يحمل بيده المطرقة، هنا تكمن فكرة النصب “انتصار الطبقة العراقية العاملة.
الفنُ نشاط ٌذهنيٌّ وظاهرةٌ اجتماعيةٌ خلاقةٌ، متحركٌ ومتجددٌ في المعنى وفي المبنى، وفي جوهرهِ نشاطٌ ثوريٌ ناعمٌ ومسالمٌ، ولا يمكنُ أن يكون غيرَ ذلكَ، يعملُ جيلاً آخرا على تجديدِ نفسهِ وهدمِ السائد الثابثَ الرسمي؛ ليبني بديلاً جديداً يستندُ إليهِ، ويتطلعُ إلى قيمٍ ورؤى فكريةً وجماليةً تعالجُ اغلبَ المشكلاتِ الاجتماعيةِ.



