بقلم الدكتور /
حازم عبودي السعيدي
الجزء الثاني \مظاهر فايروس كورونا المستجد في الرسم العراقي المعاصر \نماذج مختارة
ساد الاعتقاد الطبي بأن فايروس كورونا المستجد وصل الى كل بقاع العالم وانتشر بصمت في ديسمبر 2019 بعد ظهوره الاول في بلاد الصين – مدينة ووهان وتزامن ذلك مع موسم الانفلونزا ,بسبب تشابه الاعراض واخذ بالانتشار شيئا فشىء لاسباب عدة وحسب ما ادلت به منظمة الصحة العالمية كما واخذت المنظمة بالتعريف به لانه احد الفصائل الكبيرة التي تسبب للبشر بعدوى الجهاز التنفسي وبسبب سرعة انتقاله ,من اعراضه الحمى والارهاق واحتقان الانف والرشح والسعال الجاف والم الحلق والاسهال وتزداد احتمالات الاصابة بالمرض لمن يعانون من امراض الضغط والقلب والسكري , ينتشر الفيروس من شخص لاخر عن طريق القطيرات الرذاذية التي تتساقط على الاسطح والاشياء وعند الملامسة وحالات الشفاء منه في تدابير تتطلب الحماية بانتظام التعقيم والمطهرات وغسل اليدين والوجه والابتعاد عن مناطق الزحام والاشخاص بضعة امتار بعضها عن البعض والزام المنازل تجنبا لا نتشاره خلاصا منه ويمكننا حماية انفسنا ومجتمعاتنا بعد ممارسة النظافة التنفسية الجيدة والاطلاع على مشورة السلطات الصحية المحلية .
من خلال تلك المقدمة التعريفية بوباء كورونا او مايسمى كوفيد تسعة عشر او كورونا المستجد كان لفن الرسم دوره في نقل الصورتين الايجابية والسلبية له حيث اثبت العديد من الفنانين حضورهم ازاء شكل الفيروس ومضمونه , مما حدى بالجميع الى تصويره بما يتناسب وثقافته وذلك توثيقا تاريخيا تذكره الاجيال ففي مقالتنا سنتعرض الى ماهية ومظاهر الفيروس في رسومات بعض من الفنانين العراقيين ومن خلال الصورة التي يبدو عليها الشى\الفايروس جاءت الفكرة باستعراض بعض المظاهر الشكلية التي اتخذها الفنان الرسام من اجل اعلان عاطفته واحاسيسه تجاه خطر لا ينجو منه سوى ما اراده الله حسب ما جاء في القرآن الكريم “واذا مرضت فهو يشفين “.
يتعرض المظهر الشكلي في التصوير العراقي الى فعل تواتر العناصر الفنية وتطبيقاتها على السطح التصويري مهما كانت خامته ومهما كانت امتداداته وهلاميته فالمهم هو اعادة بنائه حسب قيمته والقيمة هنا ليست في كتلتها او ثمنها وانما فيما ذهبت اليه الاراء في استخدام اللوحة الفنية عاملا منشطا ومنبها دعائي واعلامي كما اللون من اجل التعبير او اي عنصر اخر بحيث يخلق تجاوبا ايقاعيا بين العلاقات المكانية التي تمتد من وراء كتلة “كوفيد” وهي نتيجة للتوتر والخوف وجزء من المعنى في قولبة الشكل ,وسؤالنا أي شكل ذلك الذي قتل الابرياء وطال الفقراء والاغنياء في حقيته المتمظهرة تحت المجهر يبدو كرويا او شبه كروي منتظم او غير منتظم ذي جدار شفاف احمر وردي تحيط به الوان بلازما الدم الصفراء ويتكور حول ذاته يحيطه غلاف مائي ازرق تنبعج منه عشرات الرؤوس الهرمية المقلوبة الزرقاء الفاتحة ,حيث تتمثل في تنظيمه لغة الجمال وسحر الخالق “وقيمة جمالية نابعة من طبيعة الشىء خلعنا عليه وجودا موضوعيا “برأي جورج سانتيانا .
حيث الجمال علم القوانين التي تبحث في المشكلات التي يخلقها التفكير والتأمل وتثيرها الاعمال والانجازات الفنية من خلال استيعابها للواقع والتعبير عنه بصورة فنية وكونه العلم الذي يشكل جوهر الفن ومعاييره وقواعده واشكاله وعلاقته وتذوقه وادراكه واستيعاب تاريخه وتكوين احكام نقدية وعقلية وادراكات حسية .
ويرى الاستاذ الدكتور مكي عمران تدريسي في الفنون التشكيلية كلية الفنون جامعة بابل في شكل الفايروس المنفذ بالوان الاكرلك على الكنفاس جمال وفن يترادفان بهيئة فلسفة ونوع من التأمل الفلسفي لا يفترقان بمشيئة الخالق حينما وظف موضوعيته الشكلية برموز الاديان وانطقها بلغة السماء في قولها ان الموت لا يفرق بين مسلم ومسيحي ويهودي .. واضاف مفردات عربية ولاتينية وارقام وبيوت وازقة ومعمار بسيط ومتين تداخل الجميع بهيئة جداول هندسية نشرها في زوايا عدة وترك توقيعه وسنة الانتاج 2020 الى يمين اللوحة بعد ان ترك اثارا بشكل بقع سوداء فاتحة اللون الى الاسفل ضمنها وبتكرار يشير الى سنوات عمره او التاريخ في اعلى اللوحة وبشكل مغاير عن توقيعاته او مألوف الفنان ,مستخدما الالوان الباردة والفاتحة والرمادية وتركها عائمة سابحة في فضاء تدور فيه الاشياء وتتفالك بين مداراته ومحيطها بكل ايجابية.
ان توظيف تلك الرموز تعني بكل تأكيد الاشارة الى الروابط الاجتماعية والشخصية في ظل انتشار ازمة الجائحة ولوحته تعني الاضطلاع بوظيفة النشاط الفني عن طريق تحليل الثقافة ويعد من جوانب التربية في الضبط الاجتماعي والاقتصادي والمعرفي والمعتقدي والاخلاقي وكذلك اسلوبا للتعبير .
اما الاستاذ الدكتور شوقي الموسوي التدريسي بكلية الفنون بجامعة بابل في تناوله حقيقة الفايروس اتبع شكلية استراتيجية جريئة في نزعته الشكلية حيال تكثيف اللون باستخدام (الاكرلك) كما الشكل وسعى الى الانفعال فتعامل مع اللوحة برومانسية عالية حينما دعا الى التحام الشكل بالمضمون على غير سابقه , فاللوحة تضمنت عدة انفعالات رصدها “الموسوي” في مجموعة من الاشياء منها الانسان اذ رسمه وخططه بتجريد اقترب لان يكون شبحا وهميا يستحيل فهمه هيئتان عموديتان تنكفأ الواحد للاخر اي الظهر الى الظهر واراد بالمسافة والابتعاد على الرغم من تجاورهما في تعبير الى ان الملامسة والتقارب يؤديان الى الموت وانتقال الفايروس , كما رسم الافواه والعيون بشكل دوائر مغلقة واخرى مفتوحة في تأكيد على الالم والتأوه والاستبصار ,معتقدا ان الفعل الرومانتيكي يثير في المتلقي العاطفة والمشاعر التي تنعطف نحو النفس والتفحص والشروع بالاهتداء الى حقيقة الجمال في الجوهر على الرغم من عدم الاحاطة بكل تفاصيل المشهد الفني وانما مايمكن كشفها بالخيال والحدس والعاطفة والانفعال لتجسيد حقيقة الاشياء الاثيرية وبالتالي ان الفنان ينشد شيئا تحت المظاهر المبنية على جانب شكلي دلالي اثيري .
فالدلالة الشعورية الممنهجة تدرك مباشرة على انها مرتبطة ارتباطا باطنيا بطبيعة الموضوع والتساؤل يطرح ذاته بذاته اليس من الفعل الجمالي ان نتلقى هذه اللوحة وامثالها الموبوءة بالفايروس القاتل ونحتضنها بالحب ونحن على دراية تامة بان الموت من وراءها حيث الانفعال كامنا في الموضوع يعد تفهمنا للموضوع انه سبب لاستثارته .
في حين كان للفنان التشكيلي (مصطفى جاسم ) عضو نقابة الفنانين العراقين في كربلاء رأي اخر في لوحته المنفذة بالوان الاكرلك حينما وجد ان الشكل لدى الفايروس تمثله الام تلد صغارها بعد فترة حمل معينة لم يشير اليها وحضانة غير متوقعة وولادة جنين الفايروس كانت قد نتجت ازاء تزاوج ذكري وانثوي كان حصيلتهما جنين يتنامى كلما اخذ الرحم بالتطور والنمو ,وفكرته للشكل تنوعت مابين كروياته المولودة ومابين طريقة تزاوجه ذات الشكل اللولبي المتموج ذي اللونية الخضراء وذات الرأس الهرمي المقلوب والبني اللون ,في حين لم يميز شكل الفايروس الجنين المتعدد النوع والمتشابه بالحجم والشكل واللون وانما خططه ولونه بطريقته الخاصة مبينا ان الحاضن الحقيقي هو بيئة ما ربما شاطرها فكرة الاخصاب بالعضوين الذكري والانثوي ,وجعل من حياة الفايروس حياة شبيه بحياة الانسان .
وبالتالي ادرك الفنان ان اللاموضوعي يستمد كينونته من الموضوعي , فضلا عن ان ماصوره من اشياء تؤرخ المدرسة العلمية والنهج العلمي لمدرسة الاحلام والمخيلة لدى المدرسة السوريالية على الرغم من عدم ايمانها بالعقل واالواقع المعاش ومحاولتها الى خلق واقع اخر استنادا الى طاقة التخييل وشيدت التجربة الذاتية من خلال تصوير اللذات والهذيان والهلوسة بمختلف اشكالها واعلنت مستوى الباطن على حساب الظاهر .
وفي لوحة الفنان التشكيلي (شكري حامد شبيب )عضو نقابة الفنانين ونقابة المعلمين في بابل كانت كورونا تنسج الموت وقد تمثلها بكرة قدم تستقر في وسط ساحة وهي تبادر بالهجوم دونما مواجهة خليت الساحة من ورائها بالكامل من مظاهر اللعب الا من اتجاه حركتها فقط وهو ما زعم الفنان توضيحه بالتخطيط بالقلم باتجاه واحد وبلون واحد هو الاسود الرمادي مؤكدا على تواجدها المميت والقاتل فهي تحصد ارواح الاخرين وتترك من خلفها ارضا محروقة ، ظهرت الكرة (كرونا) في مواجهة مربعين في النصف الاخر للساحة وكلا المربعين احتويا على مخطط غير منتظم تفاتت فيه حركة الخط جيئة وايابا بقصد العشوائية والفوضوية التي من شأنها ان تسود اي منطقة تقابل الحرب والموت والمرض ،فكانت افكار الناس ومخططاتهم غير منظبطة واتجاهاتهم ايضا غير مستقرة وبذلك ترك لنا الفنان فيما تركه لعناصر الرسم في ظل تلك المخططات التي كانت ضبابية الى حد بعيد غير مفهومة تفاوتت فيها الاشكال غير المقصودة وغير المعنية بالتواجد والحضور ,وهنا كانت لونيتها ايضا سوداء ورمادية وبيضاء متدرجة ،لذا ان نظرة اللانسان الى الموت وفايروس كورونا كان بمثابة الحصار وحلقة لعب وساحة مواجهة معه اما الفوز او الخسارة ،مما يشكل موضوعا لا فتا للنظر اكدت على سلطة الفايروس على العالم واتجاهه نسج حالات الموت كممارسة قائمة على الهيمنة وتهميش الاخر الذي هو الانسان واقصائه في حال المواجهة ،فالتحدي يصنع النصر لكلاهما في ظل موت احدهما او تراجع اي منهما .




