رحاب الجزائر من العراق / الناقد والفنان الدكتور حازم السعيدي (العراق )
تمثل لوحة الفنان (محمد راسم ) فارسا من التراث الشعبي الجزائري ، يرتدي حلة الحرب ويمتطي جوادا اسود اللون يحمل بندقية على كتفه الايمن ويرفع يده اليسري امام وجهه ناظرا الى الخلف ،ومن خلال ملابس الفارس سروال ازرق اللون وجلباب بقميص احمر اللون ،واظهار الحصان في حالة قفز يستند الى قائميه الخلفيين في حين ان قائميه الاماميين مرفوعين قليلا الى الامام في الوجهة الامامية ويظهر الجواد صاهلا متهيأ للحركة والقفز والمبادرة في مشاركة الفارس في ساحة الحرب ليقيم حوارا مع ذاته بين حاضروغائب بين الفعل – الخطاب الثوري – وغياب رد الفعل من الآخر(الاستعمار) اي هناك صوت يعود بالصدى .
يتضمن النص التشكيلي تساؤلا مضمرا يبحث عن استجابة الآخر كما اسلفنا الذي سلب العاطفة والمشاعر والحب ،وابدى تشتتا للصورة الذهنية على صفحات القتال وساحات البطولة من جانب الفرد الجزائري في حربه مع الاستعمار الفرنسي،هذا واستخدم الرسام (محمد راسم )الصورة الحسية، والصورة البصرية ،فما بين الحس والبصر كانت -الرسائل –حيث استوطن الاطار الخطابي ما بين المادي والروحي .في توظيف الانزياح الشكلي الذي تجسده العلاقات السيمائية في الرمز (الفارس وجواده وسلاحه) لتترك دوال في مساحة المتلقي للكشف عن الصوت المضمر وهو ما سيقدمه الفارس بصرخته في الصولة ،والمعاناة البطولية المكنونة خلف ظاهرة الاستعداد للحرب هذه الدوال تعمل على تحريك النص الشكلي ومضمونه،وتدفع لقراءة المدلول .
مما تمنح البنية التركيبية للنص شكلا متدرجا في الايقاع الايجابي بين (الرسالة والمرسل اليه ) الذي جاء ليتوافق مع الحالة النفسية للفنان في تساؤله الخطابي ، فضلا عن التوافق ما بين الانساق الشكلية في الاتجاه والحركة الخطية الذي تبوح من خلاله ابجديات الحرب ،وعليه تمكن (محمد راسم ) من تحقيق التلاقح ما بين الشكل والمضمون في اللوحة .
حينما تم استخدام الفن الشكلي في النهضة الجزائرية كجزء من المقاومة الشعبية الثقافية للدلالة عن متابعة الهدف المنشود في التخلص من المحتل ، والبحث عن دوافع المقاتلين في تصوير عشرات الاحداث وبثها او تقديمها للوطن ، حسبها دلالة التحشيد الصوري المصحوب بالروح المضحية وظهور انتقالات مادية في الافق البعيد _ الرسائل_ الى عاشقين للاستشهاد لعلها تناصر الاغواءات في ان الشهادة والشهداء ذي دروب واضحة وواعدة الى عليين (الجنة) ،وهذا ما يسمى أسلوب الالتفات من المخاطب _ المقاتل_ الى الشخص الثالث الغائب بصريا، وما بينهما تحط الماديات _ كلمات رسائله الثورية التي تحمل الشكل المزدان بالروح الاستشهادية ،اي اللعب بعواطف العاشق الى الموت ، هنا يكمن الصراع بين عمق الوفاء والوفاء ذاته ،هذه الثنائية تحمل دلالة اللعب على المشاعر وعواطف المعشوق .
كما بين الفنان في لغته التشكيلية التركيبية بين _ ذاك الزمن الماضي قبل الاحتلال،وهذا الخطاب الحاضر بعد الاحتلال _ انها علامات سيميائية – اشارات زمنية- كل ذلك يعطي النص الشكلي حركة انسيابية وسيرورة زمنية .تقترب من مانسميه تحولات حسية الى تحولات بصرية ، من الرؤية المعتمة الى الرؤية الواضحة تتيه فيها الصور الذهنية ،انه حالة توازي ما بين المرئي واللامرئي.
في حين جاء التحليل في الشكل بعدة خواص بنية التعبير في التحليل الشكلي للوحة وتعتبر الخيول من أكثر الأشكال استخداما في الفن الإسلامي والمغاربي عامة (والجزائري خاصة )، وذلك لما تحمله من دلالات جمالية ورمزية عميقة منها الجمال والقوة فالخيل رمز للجمال والقوة، وتجسيدها في المعارك والحروب يعكس تلك الصفات، حيث تتحول الصورة الى أشكال حيوية تعبر عن الحركة والحيوية.
فضلا عن ان الخيل تعبر عن الحرية والانطلاق، وهذه الفكرة تظهر في اغلب لوحات الفنان من خلال امتداد رسائلها، وماتحمله من روحانية في الثقافة الإسلامية، الخيل مرتبطٌ بالجهاد ، مما يضفي على استخدامها في الاحداث والغزوات بعدا دينيا وروحيا.
اما التحليل في المضمون :حيث منحت لوحة الفنان (محمد راسم) المتلقي حركة ديناميكية واقعية ،تنقله من عالم مرئي الى عالم اللامرئي قد يكون في بعض تأويله لما بعد المعركة (اما الشهادة او النصر ) ، حيث العالم الباطني المشحون بالصورة الذهنية التي حضرت لتواكب ما تبوح منه هذه اللوحة ، اذ تتضمن اللوحة كتل من الايقاعات اللونية، تنبلج كهالة محورية ،يحفها اللون الاصفر الذي ينذر بالغبار الصحراوي الذي تزينه حبات التراب المحلقة والمتناثرة الايقاع ،والتي تناظر الكتلة المعتمة ان جاز التعبير وهي كتلة الفارس والجواد ، التي تحمل دلالة يوم جديد،حسب ما يراه الفنان، ووفق قراءته لهذا التحول اللوني من الاصفر الذي يحمل عالم الحرية المشوب بالانذار ، والنقاء القادم ،بعيدا عن قيود العالم الدنيوي .كما يتمخض من هذا اللون الصفراوي عالم روحي مرموز إليه بعديد طيات الارض في حركة متفحصة ،متغيرة الاتجاه، ومحورية الدلالية،متوارية عن عالم دنيوي مقيد. تميزت اللوحة بالاستقرار ،فجعلها الفنان في حركة مائلة ، حقق من خلالها الانزياح ،الذي يمنح الظاهر حركة مستمرة ،يستطيع المتلقي اخذ برهة من الوقت لتفكيك معالم المشهد ،مع وجود كلا من الاختلاف والائتلاف اللوني،وهذا ما يضفي على النص المرسوم السيطرة وعدم تبعثر المركزية، ولعبة الدوال في رسم الأيحاءات امام رؤية المتلقي،وحضور التأويل اذ ان هناك حضور وغياب لمضمون لا ينتهي .
لقد ابرع الفنان بتصوير التعبير للصورة البصرية، والصورة الصوتية الي ولدت من رحم تناثر الايقاعات اللونية.لما يمثله عالم القوة القتالية في مناهضة الاستعمار ،خارج من عالم تحفه المراميز ترمز بالتالي الى عالم الأرض ،وهو يناغم العالم السماوي، محققا توازنا في الشكل والمضمون ، واستفزاز العصب الحسي للمتلقي،وصولا الى جوهر الموضوع.هذا وان تداخل الالوان مع بعضها،كي تحقق توازنا هارمونيا للرسم الواقعي.
يجعل الفنان من الظل والضوء سياقا متراكبا،ينتج عنه حركة درامية، دياليكتكية، اهتزازية،تحمل دلالة عالم متراص من التقنية في التنفيذ .
كما واتخذ من البعد في المضمون معادلا موضوعيا يناظر ما يتمناه المرء ان يكون حرا في هذا العالم وهو ما ذهب اليه الشكل ،صابرا ،يتأنى في أخذ القرار،لايستسلم لهذا الامر، والشعور بانه أقوى من الواقع ،فضلا عن منح هذا الفارس مركزية تعبيرية، حيث يبدو الشكل المرسوم حقا يناصر الحقوق ،سابحا في فضاء منفتح ،عابرا للحدود، والقيود.
مما جعل حركة ثنائي المعركة تناظر الشكل المجرد ،وهذا ما يحمل الدلالة الثنائية ما بين العالم الروحي،والعالم المادي.من هنا تميزت الخطوط اللونية بحركة تصاعدية، ونهايات متنوعة ما بين التلاشي مع الشكل الواقعي،وانعتاق الآخر نحو الاعلى،مع وجود اللون المتمم للآخر ما بين الاصفر والبرتقالي والزيتوني والسمائي في بدن الفارس والجواد ، وهذا ما يحمل دلالة الصراع بين الحق والباطل بمعنى ادق ما بين الطاقة الانفعالية السلبية،والطاقة الايجابية.تعبر دلالة الشكل الواقعي عن الكون من خلال اللونين: الاصفر الذي يمثل الانبعاث،والابيض.يحفل الشكل التجريدي بحركة مطلقة ،وتصاعدية من خلال خطوطه الملونة ،وتناثر ضرباته اللونية التي تعزف ايقاعا متعاليا نحو الحرية ،وكأنها اوراق سلام حملتها الريح نحو مديات غير متناهية .
تجسدت القيم الجمالية من خلال تمظهرات مفاهيم : الحكمة، السلام، الانبعاث،التي طفحت من الوانها الواقعية والتعبيرية الشفافة .
لتتحدث اللوحة بصمت عالي ،وتغنى بها المتلقي بشهقة الحرية في قراءة الشكل البصري: وبالتالي ابدع الفنان في توزيع الاضاءة اللونية وتحولاتها الفضائية،وشيوعها على الآفاق .
حقق الفنان حضور النص المرسوم ،من خلال تماثله مع عنوان اللوحة _حيث يعم السلام من خلال المضمون في استرجاع الحقوق .
