بقلم الناقد الجزائري / ا.د حمام محمد
قراءات نقدية
عنوان الرواية: **غادينيا**
الراوي: **عبد الحميد القايد**
دار النشر: سكريب للنشرو
:غادينيا
غوث السميولوجية…
العنوان تجلٍّ من علمٍ صناعيّ يُسمّى **غادينيا**. ولو فركنا هذا المصطلح لانبثقت منه تأويلات عدّة؛ منها: *”آهَب يا دينيا”*، أو رسمة آلة كارتونية تركت شهرتها في ذاكرة الأطفال زمنها الذهبي، قبل أن يترحّلوا إلى التكنولوجيا.
**غادينيا** لا يعرف تفاصيلها إلا الكاتب، فهو المؤوِّل في الأول والأخير.
ولا ننتقل عبرها إلا إلى أسماء من عالم افتراضي أشبه بالبشاعة الحيوانية. لقد كان العنوان صرخةً بطعم *SOS*، دعوةً للرجوع إلى الإنسان للتخلّص من الشائعات السّيرولوجية التي جُبلوا عليها في العالم الافتراضي.
المدوَّنة اللونية جاءت ألوانها محبوكة بتصميم إبداعي من مصمّم يعي الموضوع ويدرك تفاصيله.
فوضع خلفيةً للكائنات التي كانت الصحافة بأنواعها تنشر عنها: *أنس فضائيون* يهبطون هنا وهناك.
ثم أسبغها بلونٍ ورديٍّ مائلٍ إلى السواد ليعمّق مفهوم الغموض الذي يحيط بتلك الفتاة التي تذكّرنا بـ”لارا” في مسلسل *البيت الصغير بين المروج*.
كما أضاف تشطيبات من البياض في شكل أرضية ضبابية، عاكسةً المنطق الضبابي في الرواية.
إنه يقول من خلال العنوان: إن الواقع صعب، ولا يفهمه إلا المتمرّس في عوالم الصناعة الميكانيكية.
أمّا الكائنان فهما الخجولان اللذان يمثلان الرأفة والهروب إلى بني البشر، لأن رأسيهما يتشابهان مع كل الكائنات الرمادية التي سجّلت حضورها عبر مختلف الصحف السمعية البصرية مع نهاية الثمانينات.
المدوَّنة اللونية كانت ساحقة، مؤدية لغرض عرضها في وادي الذئاب.
وما أجمل صورة العنوان عندما جعل **غادينيا** امرأة اكتملت بشأنها إجراءات التجميل، فبدت كأنها من رعاة البقر… بل هي من رعاة الرماديين.
العملية النقدية في ملخص
تمثل الرواية عدة تأويلات من زوايا مختلفة، فهي تحمل في جنباتها الصراع بين الآلة والإنسان، والصراع بين المثل والقيم الإيجابية والسلبية، والصراع بين الذات وقرينها.
وفي ظل كل تلك التأويلات يبقى همّ الراوي: هل سيظل الإنسان إنسانًا بكل تفاصيله، دقّه وجلّه، إنسانًا أبدع وصنع، وما كان ليكون لغيره أن يفعل ما يفعل؟ تلك هي المفارقات التي نظر إليها عبد الحميد القايد، كاتب الرواية، وهو الشاعر الفحل والروائي المتقدم.
العناصر النقدية
العناصر النقدية تفرض نفسها بنفسها لأنها من البُنى الأساسية للعمل الروائي، انطلاقًا من العقدة إلى الشخوص والمكان والزمان والحدث.
وما يتبقى لنا كناقدين هو التحقيق أنثروبولوجيًا في المساءلات والحورات الجارية بين الشخوص مع ربط الأمكنة والأزمنة ربطًا منطقيًا لا يُؤول على حساب منطلقات أخرى يوظفها البعض لمجرد إثراء معجمي قد يكون خارج نطاق العملية النقدية نفسها. فلكل ناقد زاويته الخاصة التي يحلل منها النص، بشرط أن تتحدد هذه الزاوية بالفعل المنطقي الذي يفرضه الترابط النصي جملة وتفصيلاً.
فلا يُعقل أن نجد ناقدًا يتحدث عن جانب لم يرمز إليه الكاتب، حتى وإن كان الراوي قد يسعد باكتشاف عجز هو عن الكشف عنه، إلا أن ذلك بالنسبة للنقد يبقى قبحًا في ثوب جمالي قد يُبعد القارئ عن منطقية العمل. أثناء مشاركتي في الندوة البحرينية يوم 26/08/2005 على الساعة الثامنة بتوقيت السعودية، استمتعت بزوايا كثيرة حول رواية *غادينيا*: المرأة الرمادية، ووائل البشري الحالم المليء بالطموح. فقد جاءت عناصر الرواية بحبكة ترمز إلى تجربة إنسانية في عالم القص.
تحدثت العناصر النقدية عن صراع بلغة نقدية يمكن اعتباره تنافسًا بين الإنسان والآلة التي هجّنها الإنسان لتصير شبيهة به إلا في المشاعر.
فالصراع معلن خارجيًا، أما داخليًا فهو محسوم للإنسان الذي يسيطر على الموقف. فالإنسان هو من يضفي طابعه البشري على الصراع، وكأنما يناظر آخر في الرواية، حيث مشكلة الانتماء والهوية مقررة سلفًا. فالإنسان مجبول فطريًا على معايشات خلقها الله ليعيش عليها من أجل العودة للحساب.
فالمحاسبة تكون على الأعمال وليست على صراعات وهمية. إن كل الصراعات الفكرية أعمال عقل لا بد منها لمناقشة ذلك السيل المتحرك من الأفكار التي تحاول أن تتقوقع على موروثها القديم.
الشخوص والأمكنة والأزمنة والحركات
الشخوص تتحرك بين عالمين: عالم الرماديين الذين يرون أنفسهم شعوبًا تفكر خارج عقارب الساعة، وفق نظرية المصنوعات الخارقة بفعل قادة الخارق والسرعة.
التناقض بين التصريحات يفتح بابًا لإثراء الكلام والملفوظات الموظفة بذكاء، وقد امتلأت الرواية بها بفضل قريحة الراوي التي عمّقها بمعرفة تقنية ونانو-تكنولوجية لم تُفهم إلا باللجوء إلى الرمزية.
والرموز استلهمها الراوي من واقعه المعيش، وهو ابن البحر، فكيف لا يكون للبحر شهقة وشهوة؟ البحر هو العالم الصعب والسهل في آن، وهو المتعة والآفاق والمنبّه إلى عوالٍ مجهولة كما كان يراه الرومانيون من وراء الأسوار.
جعل الراوي البحر فضاءً رمزيًا لتشكيل الطوع والحوض عنه بكل صنوف الرمزية.
دلالة المعاشرة بين الآلة والإنسان لها ما يبررها، خصوصًا وأن الإنسان اليوم أصبح قادرًا على صناعة لذته بدل السعي إلى لذة الآخر.
وهذا المنظار العلمي يبرره واقع التكنولوجيا الغرائبية التي لم تعد سرًا. الكاتب في *غادينيا* لم يُرد إخفاء الأمر بل تساءل: هل يمكن أن يكون هناك اندماج فكري يفسر الحب العاطفي بين الآلة والإنسان، خاصة وأن الإنسان هو من يصنع فيها أعلى مراسم اللذة ويستمتع بها؟ لقد أبقى الكاتب نهايات شخوصه مفتوحة، حتى وإن غابت الحوارات الكثيرة، إذ غلّف السردُ الحوارَ بلمسة جمالية. غير أن تكثيف الحوار بين الرماديين والبشر كان سيمنحنا تفاصيل أوفى عن هذا الواقع الذي أصبح يتلمس حتى مواعيد إحساسنا باللذة. حافظ الراوي على الحدث من خلال اسم *غادينيا* الذي تفنن النقاد في تحليله اصطلاحًا ولغويًا، ومطابقته لما يُحكى.
ان الرواية انطلقت من منطلقات معرفية صلبة، منها: عرض الواقع البشري وصراعه مع عالم الرماديين الغامض، إبراز تفاصيل جسدية ونفسية مرهقة مثل مشهد الحقنة والإجراءات الطبية التي كشفت عن هشاشة البطل واغترابه، ثم التحولات الحميمية حين يعود إلى بيته ليجد غادينيا في انتظاره، تغمره بالحب وتفاجئه بخبر حملها الذي أعاد إليه معنى الحياة. هذه المنطلقات جسّدت البعد الجمالي في سيرورة الرواية، وأثارت تشويق القارئ لتتبع مسارات الوله بين الإنسان والآلة.
رؤية العالم من الداخل والخارج
هل أراد الراوي أن يُرينا عالمه من الداخل أم تركنا نراه بدله؟ تلك لعبة سردية لا يجيدها إلا الراسخون في الحكي.
فقد منحنا طعم التجربة من خلال “زواج الآلة بالإنسان” وترك الحمل فنًا للتعليق.
إذا كان واعيًا إلى هذا الحد بالتماثل، فهو في أشد الوعي.
نستخلص أن الرؤية فلسفية تخييلية، أشبه بظواهر عجائبية تُبرز جماليات الانفصال والاتحاد.
أراد الراوي أن يمنح النقص الإنساني بعض حقوقه الرمزية، مستحضرًا الآية الكريمة: *”يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات والأرض فانفذوا لا تنفذون إلا بسلطان”*.
فهل وصل عبد الحميد القايد إلى ذلك بالخيال؟ لقد دعا إلى تعظيم التخييل الذي أودعه في *غادينيا*.
استعمل لغة بسيطة مركبة، غنية بالتشبيهات والمحسنات البلاغية، أبانت عن عمق شعري واضح منذ بداية رسم الحوارات وانتقال الشخصيات بين الأمكنة المادية والفضائية. النص الروائي جاء شاملًا بأدوات التكرار والفصل والوقف، مما منحه طابعًا فلسفيًا متماسكًا.
من الداخل كان زواج وائل بالمرأة الرمادية إعلان هدنة واتحاد بين الإنسان والآلة، وهو ما يرمز إلى انسجام جديد يتشكل في البيت البشري الآلي.
البطل بدا مسبارًا للتجربة، يرى حلمًا مرعبًا: يقف على قمة جبل شاهق، يعجز عن الصمود فيهوي إلى وادٍ غامق، فينقذه رجل رمادي يدّعي أنه من أسلافه، ويدعوه للالتحاق بهم. يستيقظ مفزوعًا عند الثالثة صباحًا، يبحث عبر الإنترنت عن “الكائنات الرمادية”، فيقرأ عن تجربة فيليب شنايدر معهم. وائل ظل حائرًا بين كون ما يراه أحلامًا أم رسائل حقيقية، يتأمل تجاربه السابقة (الغرق، السقوط في البالوعات) ويقتنع بوجود صلة بينه وبين “الرماديين“.
بدافع الفضول واليأس يقرر خوض المغامرة، فيتوجه إلى عين عذاري عند الثالثة صباحًا دون أن يحدث شيء، ثم يعود الرمادي ليظهر في حلم آخر مغيرًا الخطة.
النص هنا يتكرر بطريقة سينمائية طويلة أضعفت عنصر التشويق في بعض المواضع، وكأنها أحجية صعبة. ومع ذلك تبقى محاولة لعرض حقيقة تلك المشاهد للقارئ.
في الأخير، رواية *غادينيا* تمثل لمسة إضافية في الحكي العربي المعاصر، تشبه إلى حد كبير أسلوب فاروق أبو زيد حين تحدث عن تطور الهواتف وأشار إلى الواتس آب في بدايات القرن.
عبد الحميد القايد من خلال *غادينيا* قدّم رؤية علمية متميزة، ورسّخ لمفهوم الرواية الأنثروبولوجية التي تناولت الزواج لا كعلاقة بين رجل وامرأة، بل كعلاقة بين الإنسان والآلة. إنها محاولة ليتجاوز الإنسان محدوديته بالاتحاد مع “المصنوع/الاصطناعي”، أي مع الآخر المختلف جذريًا.
غادينيا ليست مجرد كائن اصطناعي بل تمثل العالم الرمادي بكل غرابته وتحديه للإنسان، والزواج منها اعتراف بأن الخلاص قد لا يأتي من بني البشر وحدهم بل من “الآخر التكنولوجي/الاصطناعي”.
الرواية حلم مستقبلي، يميّز بين إشارات الوصول التي سبق إليها الإنسان منذ أن أمر الله ملائكته بالسجود لآدم، وبين ما تلحق به الآلة..



