اعداد: ا.د حمام محمد استاذ الاعلام والاتصال بجامعة الجلفة
حين يفكِّرُ صانعُ المحتوى، بعد عِدَّة عروض، يجدُ نفسَه في ورطةِ التقدُّم لإثارةِ الانتباه، وتنميةِ قدرات “اقتصاد الانتباه“، فيبدأُ في التفكير باستعمال نظريةِ **التأثير** التي كنَّا نظنُّ أنها اندثرت، وذلك لرسم النتيجةِ مسبقاً. فيلجأ إلى استعمالِ **وازع الخوف** أو “الفوبيا”، أي: كيف باستطاعةِ عرض محتوى ليس مُخيفاً في ذاته، وإنما يستعملُ الخوفَ كمرتقبٍ زمانيٍّ ومكانيٍّ.ولا يضطلعُ بأمرِ هذا الاستخدام إلا مَن كانت له مطالعتان: اجتماعيةٌ ونفسية، لأن حالَ الجمهور متنوِّعُ المزاج، وفي بعض الأحيان لا تجدُ له أيَّ تصنيفٍ في دوائر الفوبيا، إلا أن تضعه هو نفسه كفوبيا.
والخوفُ من نتائجِ سوء الاستعمال للأدوات الحاصدة للسعادة كثيرٌ جدّاً، بالمقارنة مع معارف الذكاء الاصطناعي الذي لا يدَّخر جهدَ الثواني في إبلاغ المستخدم بكلِّ دوافع الخوف ومقداره لدى الجمهور. وهو يشكِّل – في اعتقادنا الآن – معيارَ تخوُّفٍ منتشرٍ بشكلٍ خفيٍّ، لأن الخوف جُبِلَ عليه الإنسان منذ أوَّل سماعٍ للرعد، فوضعَ يديه على رأسه، فكانت تلك قرينةَ حماية الرأس من الظروف والحوادث. وقد استشرى هذا التأويل اجتماعياً.وعلى صانع المحتوى أن يناقشَ وازعَ التخوُّف لا بقرينةِ الإفناء، وإنما بقرينة **التعذيب**؛ فمريضُ السكري، إن لم يُمارس وقايةً متتابعة، حتماً يتعرَّضُ إلى مجموعةٍ من البدايات المُقلِقة التي تؤدي في النهاية إلى تعذيبه: إمّا تعذيباً جزئياً كالدوخة والانهيار التام لمنظومة الأجهزة البيولوجية، أو بترِ عضوٍ من أعضائه.
ويضاف إلى ذلك استعمالُ المؤثرات الموسيقية والبصرية التي تصبغُ مؤشرات التخوُّف أثناء صناعة محتوى طبي أو تعليمي.
فكلُّنا مُجتبَى على ألّا نخاف حتى تتحققَ لدينا إشراقةٌ جديدة.
وهذه الفلسفة الإعلامية يجب أن تُرافِق صانعَ المحتوى بالتدريج، لا أن تُعرَض دفعةً واحدة، لأن في هذه الحالة آلاف المحتويات تعرضُ الموت كنتيجةٍ للخوف.
فلماذا لا يكون العكسُ حتى تتحقق أعلى نسبةٍ من الهروب إلى محتواك الذي يستعمل الأطرَ والتأثيرات النفسية، أو يمسحُ بوادر القلق عن الجمهور ويجعلُ له السماء دوماً صافية، على الأقل ضماناً لوصول المحتوى إليه في شكلٍ جميل؟
لقد لاحظتُ مليّاً مجهوداتٍ بصريةً وتقنيةً تُبذل في الكثير من المحتويات بغيةَ إيصالها، ولها دورٌ كبيرٌ في إحصاءِ المشاهدات والتفاعلات لاستخراج نسبة “الفوبيا” في المشاهدات الإعلانية أو المحتويات الطبخية والتعليمية.
والأمرُ كلُّه ليس في كسب تقنيةٍ وحُسن استعمالها، بل يتعلَّق بفهم شخصية الآخر بصفةٍ جماعية، لا فردية. وأنا أُقرُّ أن هذا صعبٌ في البداية، لكن مع تدرجِ محتوياتٍ جزئية سيصلُ صانع المحتوى إلى استحداثِ الخوف في زمانه ومكانه، وبالأدوات المتوفِّرة سيتحقق التفاعل، وسيقفز المحتوى الناجح المستعمِل للفوبيا بطريقة عقلانية، فالحقيقيُّ هو مَن يمنحك فرصةً للحياة من جديد، سواء بعد فشلٍ، أو مرض، أو حادثٍ غريب.