رحاب الجزائر : أحمــد قــادري
ترجل اليوم فارس من فرسان الكلمة بولاية الجلفة ، وطويت صفحة من صفحات الصحافة الصادقة التي آمنت بأن الرسالة أسمى من المصلحة ، وأن الانتماء للوطن يبدأ من الإخلاص للمدينة وأهلها.
برحيل جمال مكاوي ، لا تفقد الجلفة صحفيا فحسب ، بل تودع أحد أبنائها البررة الذين جعلوا من الكلمة عهدا ، ومن الحقيقة رسالة ، ومن خدمة الولاية قضية عمر .
لم يكن جمال مكاوي مجرد صحفي يحمل قلما ، بل كان إنسانا استثنايا ، نقي السريرة ، واسع الخلق ، مومنا بأن الإعلام مسؤولية أخلاقية قبل أن يكون مهنة ، وأن خدمة الجلفة شرف لا يقاس بمنصب ، ولا يشترى بمكسب .
عرفته زميلا ، ثم صديقا ، ثم أخا جمعنا به درب طويل من الكفاح المهني ، في زمن كانت فيه الصحافة تكتب بالضمير قبل الحبر، ويُحمل فيها همُّ الولاية بأمانة ، بعيدًا عن حسابات المصالح والولاءات.
لم أسمع منه يوما إلا الكلمة الطيبة ، ولم أرى فيه إلا الوفاء، والإخلاص ، ونبل الأخلاق ، واحترام الجميع.
كان جمال من أوائل الذين أسهموا في تأسيس الجمعية الولائية للصحافة بولاية الجلفة ، ونال ثقة الأسرة الإعلامية بإجماعٍ نادر ، قبل أن يتنازل عن رئاستها بعد أيام قليلة ، في موقف جسد معدنه الأصيل ، مؤثرا المصلحة العامة على كل اعتبار، ومقدما درسا في التجرد والزهد في المواقع.
ولا تغيب عن ذاكرتي تلك اللحظة التي ستبقى شاهدة على حلم جيل كامل، يوم تسلمنا من الوالي الراحل حمو أحمد التهامي الاعتماد الرسمي للجمعية ، داخل مقر الولاية ، وكانت أحلامنا أكبر من المناصب ، وأبعد من الألقاب.
كنا نؤمن أن رسالتنا الوحيدة هي خدمة الجلفة والدفاع عن قضاياها ، وكان جمال في مقدمة المؤمنين بذلك الحلم .
وفي جريدة اليوم ، ظل قلمه وفيا للجلفة، صادقًا في طرحه ، أمينا في نقله ، منحازا لهموم الناس وآمالهم .
كان يعشق ولايته حتى النخاع ، ويرى فيها و طنا صغيرا يستحق أن يُكتب له الأفضل ، وأن ترفع صوته في كل المحافل.
وحين غادر مهنة المتاعب ، لم يغادر ميدان العطاء .
اختار طريق العمل السياسي ، وحمل القضية نفسها بروح المناضل المؤمن بأن التنمية حق ، وأن مستقبل الجلفة يستحق كل تضحية ، فظل وفيا للمبادئ التي عاش من أجلها ، ولم يتخل يوما عن حلمه في رؤية ولايته أكثر ازدهارا وعدلا .
اليوم ، لا يرحل اسم عابر في سجل المهنة ، بل يغيب قلم صادق ، وصوت مخلص ، ورجل ترك أثرا طيبا في كل من عرفه ، وسيرة عطرة ستبقى شاهدة على زمن كانت فيه الكلمة تقال بضمير، وتدفع ثمنها شرفا لا ثمنا .
لقد خسرت الجلفة واحدا من أوفى أبنائها الذي كان يمضي مقالاته باسم ( التلي بلكحل ) ، وخسرت الصحافة أحد رجالها الذين آمنوا بأن الكلمة أمانة لا تباع ولا تشترى، وأن الصحفي الحقيقي يبقى و فيا للحقيقة حتى آخر العمر.
أخي جمال (التلي بلكحل) … يعجز الرثاء عن الإحاطة بحجم الفقد، وتعجز الكلمات عن ترجمة ما تركه رحيلك من وجع في القلوب.
ستظل حاضرا في الذاكرة، وفي كل محطة جمعتنا، وفي كل موقف شهد على سمو أخلاقك، ونبل تعاملك، واحترامك الكبير لزملائك ومحبيك.
رحمك الله رحمةً واسعة، وأسكنك فسيح جناته، وجعل ما قدمته من خير وعطاء في ميزان حسناتك ، وألهم أهلك وذويك ومحبيك جميل الصبر والسلوان.
وداعا يا جمال مكاوي… فقد يغيب الجسد ، لكن الأقلام الصادقة لا تموت، والرجال الأوفياء لا يرحلون من ذاكرة الأوطان ، بل يبقون خالدين في وجدان الناس، ما بقي للكلمة شرف، وللوفاء معنى.