بلقم : رحمون عادل
يخيّل للناس أحيانا أن الشاعر هو من يكتب القصيدة، وكأن القصيدة صدى لقلمه أو امتداد لظالل أفكاره ، لكن الحقيقة العميقة التي يلمسهاّ
من غاص في عوالم الكتابة، هي أن القصيدة أحياًنا تكتب الشاعر ، تشّكله ، تعلمه ، تعيد تكوينه مراًرا تعصف به فترحل به إلى المدى أو جزر السندباد أو إلى الفراغ.
حين يواجه الشاعر بياض الصفحة لا يكون هو المسيطر دوما ؛ بل يصبح مثل وتر في آلة موسيقية قديمة ترتجف حين تمّر بها نسمة أو رعشة أو مثل طين يتشّكل بين يدي القصيدة، حتى يصبح شيئا لم يكنه من قبل.
القصيدة، إذ تكتب الشاعر، لا تفتح له بابًا واحًدا، بل عوالم من المعرفة والدهشة؛
تعيده إلى طفولته الأولى في اللغة، حيث تنطق الأشياء ببراءتها األولى ، أو تتعّرى من زيفها، أو تتشّظى تحت نظرةٍ تفتّش عن جوهرها المفقود القصيدة هي المعلم ، والمعلم ، هي المرآةَّ التي تعكس وجه الشاعر المجهول وتعيد اكتشاف صوته وسط الضجيج.
وكلما كتب الشاعر أدرك أن الكتابة لا تعني القبض على المعنى، فالمعنى هارب كالماء يأخذ شكل اليد التي تحاول الإمساك به؛ يتالشى حين نحّدده ويولد من جديد كلما سألنا لماذا؟ وبينما يظن أنه يطارد الفكرة ، تجره القصيدة إلى ممرات لم يكن ليدخلها لوالها .
“أنا شاعر تكتبني القصيدة”
إذن ليست عبارة من باب التواضع ، بل هي اعتراف بصدق التجربة : القصيدة في حقيقتها كائن حّي يختار أن يسكن الشاعر ليكتب نفسه.
حينها لا تكون المسألة مجّرد حبر على ورق، بل تصبح القصيدة هي منبع الحياة، وتصبح الكلمات جسورا تعبر عليها روحه من ضفة إلى أخرى.
هكذا يتالشى السؤال: من يكتب من؟
فالشاعر والقصيدة كائنان يتدخلان يكملان بعضهما ويتحولان إلى كيان واحد : كائن غامض اسمه الشعر



