قالت أخت الشهيد الجزائري “العربي بن مهيدي“، ” أنه يجب على فرنسا أن ترفع وصايتها على الجزائر”.
و سمعت هذه الأيام حوارا في قناة الإذاعية الثالثة مع احد شخصيات حقوق الإنسان الفرنسية و هو “جيل مونصورو” GILLES MANCERON الكاتب و المؤرخ ، يتكلم عن همجية الاستعمار و قضية الاعتذار و غيرها من الملفات التي تعكر العلاقات الجزائرية الفرنسية.
ثم كانت قد بثت إحدى القنوات التلفزيونية الجزائرية الخاصة – لست أدري بماذا أصفه، بالريبورتاج أو سبر آراء أم ماذا ؟ -لأن الكثير مما يبث في هذه القنوات أو المكاتب التلفزيونية الخاصة لست أدري بماذا يوصف؟ هل هي هواية أم تقنيات حديثة في التحرير و التقديم و غيرها من أبجديات الصحافة السمعية البصرية ؟ !!- و لكن ما يهم هنا هو الموضوع الذي بصدد الحديث عنه : الجزائر فرنسا، فقام الصحفي و هو يحمل علما فرنسيا و يقدمه إلى الناس غالبا الكبار في السن أو من عاش حقبة تواجد الاستعمار الفرنسي، و ينتظر ردة الفعل من المستجوب، هل يحن إلى فرنسا أم يكرهها؟ لا أدخل في التفاصيل هنا لأنها تتطلب الكثير من الحديث و التحليل، فهي تدخل في الدعاية و توجيه للرأي العام،… ثم هل يعبر هذا ( VTR ) – لأنني لم أجد له تعبيرا أخر أو نوع صحفي معين – عن سبر أراء للمجتمع الجزائري نحو نظرته لفرنسا؟ أم من تم اختيار من استجوابهم و كلهم أعطوا انطباعا رافضين و متذمرين من فرنسا و العلم الفرنسي ؟
أكيد هناك عملية التركيب التي تقول ما لا يقال. لأن الملاحظ في الواقع أن الكثير يريد الذهاب إلى فرنسا للعلاج، للدراسة، للسياحة ، للهجرة.. و صورة الطلبة للمشاركة في شهادة التأهيل للدراسة في الجامعات الفرنسية، الكثير من المسئولين يملكون بطاقات إقامة في فرنسا، تعبر عن حقيقة أخرى .. إذا أين الخلل ؟ أو ما هي الحقيقة ؟ هل فعلا لا نحب فرنسا؟ أو أن الجراح الماضية تجعلنا كذلك؟ أم هي مجرد أوهام نصنعها، و يتبدل الخطاب حسب الوضع و المكان ؟
الحقيقة أن العلاقات الجزائرية الفرنسية معقدة كثيرا فهي مرتبطة بالخلفيات التاريخية، و فالحديث مع أي مسئول فرنسي دائما يربط بالتاريخ المشترك إلى غاية مجيء الرئيس الفرنسي الحالي “امانويل ماكرون EMMANUEL MACRON، الذي أراد تغيير القاعدة، فتحدث أثناء زيارته للجزائر في شباط/ فبراير 2017 كمرشح للرئاسة حيث قال “إن الاستعمار الفرنسي للجزائر تميز بالوحشية و شهد جرائم ضد الإنسانية”. فاعتبرت شجاعة من أول رئيس فرنسي و لاقى انتقادا من بعض الأوساط في فرنسا خاصة اليمين و اليمين المتطرف. و قد زار أيضا في سبتمبر 2018 بيت ” موريس أودان” الذي اغتالته السلطة الفرنسية على ما أسمته بالخيانة، فكانت جرأة أخرى منه مقارنة بسابقيه. كذلك وصف “ماكرون” مذبحة أكتوبر/ تشرين الأول 1961 “بيوم قمع ضد الجزائريين و أن بلاده مطالبة بمواجهة الحقائق حول المجازر المرتكبة”. كلها لاقت استحسانا جزائريا و لكن في المقابل أثار الرئيس الفرنسي غضب الجزائريين بتكريمه الحركة. و لكن أليس من حقه أن يكرم من يراهم عملوا مع بلاده و قدموا خدمات لبلاده ؟؟ ثم من الجانب الآخر الرئيس “ماكرون” قالها بصريح العبارة “أنا لم أعيش الحقبة الاستعمارية، و ما يهم هو التعاون بين البلدين” و أعادها لما زار الجزائر كرئيس، عندما استوقفه أحد الشباب الجزائري يطالبه باعتراف فرنسا بجرائمها ضد الجزائر، فرّد عليه ماكرون بسؤال “كم عمرك و هل عشت هذه الفترة حتى تطالب بهذا؟” “أنت شاب عليك أن تغير تفكيرك و تنظر لمستقبلك”. و في المقابل سمع هتافا شبابا ينادونه بالتأشيرة، “فرد لن أعطي التأشيرة إلا لرجال الأعمال، و المثقفين”، و قد طبقها و غلق التأشيرة على الكثير من الجزائريين، و ربما لا يستطيع المواطن حتى الحصول على موعد لطلب التأشيرة. فكان الرد من خلال تصريح المسئولين الجزائري المعاملة بالمثل و غلق التأشيرة على الفرنسيين. ثم نزع التغطية الأمنية من حول السفارة الفرنسية و قنصلياتها، خاصة بعد تصريحات السفير الفرنسي السابق “بارنارد باجولي” BERNARD BAJOLET مع جريدة ” لو فيغارو” LE FIGARO الفرنسية التي تهجم فيها على الجزائر. فأزداد التوتر بين البلدين، ليعرب السفير الفرنسي الحالي “كازفيي دريانكور” XAVIER DRIENCOURT ” “أن تصريحات “باجولي ” لا تمثل الموقف الفرنسي، و رفضنا التأشيرة على الكثير و منهم مسئولين لأنها لم تُستخدم في محلها “. لينتقل التوتر إلى الجانب الاقتصادي حيث بدأت الجزائر تفكر باستبدال إستراد القمح الفرنسي بالقمح الروسي. مما أحدث حالة طوارئ لدى الجانب الفرنسي، و أخذت الخارجية الفرنسية المسألة على محمل الجد، و صرح وزير التجارة الفرنسي أنه سيزور الجزائر مطلع العام المقبل 2019 ليتدارس القضية مع المسئولين الجزائريين. إذا جرأة المسئولين الفرنسيين مع مجيء “امانويل ماكرون” أفترت العلاقات الجزائرية الفرنسية بشكل لافت.
لقد عرجتُ على هذه اللمحة لأصل إلى نقطة البداية، أن العلاقات الجزائرية الفرنسية معقدة لأنها تحمل معها الرواسب التاريخية، ثم تصريحات الجانبين مرتبطة بالظرف و الزمن، فجرأة الرئيس الفرنسي الحالي غيّرت المُعطى، لكن حنين الفرنسيين الذي ولدوا و عاشوا في الجزائر أيام الحقبة الاستعمارية، و إرادة الكثير من الجزائريين الذهاب غلى فرنسا للدراسة و للعلاج و حتى للهجرة من خلال طوابير طلبات التأشيرة، و العدد الكبير للجالية الجزائرية في فرنسا، يجرنا إلى السؤال الأول هل فعلا الجزائريون لا يحبون فرنسا؟ أم هو مجرد نفاق في الكلام و الواقع شيء آخر؟ لأننا و لو نفسر الواقع بشكل موضوعي نلاحظ غير ذلك. ثم لماذا مازلنا نتعامل في الحاضر بمعطيات الماضي؟ !!
ألمانيا اعتذرت لأوربا عن جرائمها، و هي تتعامل وفق الحاضر و المصالح المشتركة. اليابان قوة اقتصادية عالمية طوت الحقبة التاريخية السوداء و نست الهجوم النووي الأمريكي على “ناجازاكي و هيروشيما” في أغسطس 1945 مخلفة 240000 قتيل. و هي تتعامل مع أمريكا و كل الدول التي حاربتها الإمبراطورية اليابانية بما يملي مصالحها، فلماذا نحن؟ !!
لماذا نحن لا نطوي صفحة الماضي الاستعماري و نبحث عن مصلحة الجزائر في شتى المجالات، مع فرنسا أو غيرها؟ و نبتعد عن ما يسمى بالوصاية أو أننا لا نحب فرنسا، لأننا ننافق أنفسنا، و ندور في حلقة مفرغة لا معنى لها.


