بقلم: قرار المسعود
كل ما يتلخص لمتتبع شؤون الجزائر في هذه الآونة و خاصة ما بعد المسيرات أو الانتفاضة أو الملحمة أو ثورة مشروع مجتمع و هذا ما يصح قوله، من بداية (22 فيفري 2019) أن شعب هذا البلد أعطى صورة لم تكن في الحسبان تماما و لم ينتظرها احد من الداخل و لا من الخارج في تضامن المواطنين كلهم على مستوى البلاد بخروجهم على بكرة ابيهم، أطفالا شيوخا نساء شبابا و شابات في زمن واحد و بسلوك حضاري لم يكن يحسب عليهم من قبل و بكلمة واحدة.
فخلط كل الحسابات، حتى لمن يسير في المسيرات نفسها كل جمعة ، ما بالك بمن خطط و دبر و حضر سواء في الداخل أو الخارج.
جاءت هذه الوثبة كسابقاتها في زمانها و مكانها فأتت بدون وعد، أهو القدر أم هي الصدفة أم انقلب السحر على الساحر، سبحانه يفعل ما يشاء.
إن نوع المواطن الجزائري له صفة قل ما نجدها في غيره.
فالتاريخ يثبت أنه ليس بطني بل وطني.
سد الطرقات أمام المجاهدين في صائفة 1962 بعد إعلان استقلال الوطن من الاستعمار الفرنسي ليضمن كيان الدولة الفتية المستقلة بشعار “سبعة سنين بركات” كان على وعي وتدبر من الشعب، و ملحمة اكتوبر1988 كانت مكملة لتطلعاته بعد ضمان جمهورية الدولة و ترسيخ بيان أول نوفمبر، فأتت بالحرية و بالتفتح و الممارسة السياسية .
هذا دليل على أنه لا يطلب ما يحتاجه البطن بل يريد ما يحتاجه الوطن و يأبى الاحتقار و التهميش.
أن المناداة بالجمهورية المدنية منذ زمن، بقيت شعارا لم يتجسد في الواقع نظرا لبعض العوامل التي لم تكتمل، و بقيت دار لقمان على حالها تسير من طرف جماعة منذ 1962 لعدم فتح الوعي السياسي بصفة عامة و التفتح و الاحتكاك. لأن حكم هذه الجماعات المتتالية كان يتماشى مع عقلية المواطن الفتية من حيث الوعي و الثقافة و الحس المدني، مستعملين بذلك الشرعية كغطاء على النقص في مجالات التسيير بصفة عامة و عدم إعطاء الفرصة لغيرهم.
و لو سردنا الوضع منذ الاستقلال لوجدنا أن كل من له وجهة نظر عالية و تختلف عن النظرة المنتهية من طرف تلك الفئة، يقتل أو ينفى ويتهم بالإمبريالية و رأسمالية. و بالتالي فالشعب بدون هيكلة قوية مر عليه كل هذا الزمان و هو يرى و يسمع و يتحسر.
إن هذه الوثبة الأخيرة أو الانفجار الشعبي الذي دفع كل فرد جزائري للخروج الى الشارع من يوم كل جمعة بعد صلاة الظهر ليعبر على ما يؤلمه. أعطت نظرة واضحة بتغيير للمشهد الكرونولجي للملحمة و ضربت بقوة عرض الحائط السلطة فجأة و المعارضة بأكملها و لم يستثنى منها احد.
و اصبح المواطن ينادي في كل مكان من البلاد بأطيافه جميعها حاملا شعار “ارحلوا” لا نريدكم خلونا في وطننا.
حتى وصل الحال بطرد كل من له ضلع في السلطة أو المعارضة من المسيرات.
و بدون خسارة لا في الأرواح و لا الممتلكات بل بينت صورة في مبادرات كادت تندثر ممثلة في التآزر بين المتظاهرين في تنظيف الشارع وتوفير الماء و حتي بما عندنا عادات “المعروف” الإطعام من السكان للمشركين.
هذه الصورة الحية توحي لا محالة الى فك القيود الذهنية للفرد الجزائري و تحرره، وهذا هو المهم و الأهم في حياة أمة لأن تقدمها لا يكون إلا بالحرية و الأمن و خاصة تحرر الذهنيات التي في هذه المرحلة المواكبة و المؤمنة داخليا و خارجيا من الجيش الوطني الشعبي المنبثق من جيش التحرير بأبنائه الأصليين.
و سيكتب له التاريخ هذا بحروف من الذهب.
و لعلها لفتة فريدة من نوعها في الأقطار العربية و الدول النامية أن يصبح الجيش و الشعب “خاوا – خاوا” لأن قيادته و ببساطة من الذين شاركوا في ثورة نوفمبر الخالدة و رضعوا من ثديها الطاهر.
ان هذا الأسلوب المنتهج حتى الآن من طرف المواطن الجزائري و خاصة الشباب منه يعد رفع ستار على شعب طاهر استجاب له القدر.
و هذا هو الذي يولد الحس المدني الراقي الذي يساعد بقسط كبير في تسيير الدولة ككل و يعطيها البعد الحضري و التنموي و التقدمي.
وهو الفرق بين الدول المتقدمة و الدول النامية و التي تقاس بمدى التطلعات الإيجابية لشعبها و دراسة مشاكلها بأسلوب حضاري و علمي و انصافي.
و هنا انا لما وضعت في عنوان مقالي هذا ” ثورة التصحيح” أتمنى ذلك في بلادي التي أرى فيها بعض المؤشرات التي توحي الى تقدمها و ازدهارها.
كم طال أمل شبابنا لفجر مشرق مملوء بالعلم و التحضر و التقدم.
ان جوهر اختلاف نظرة الشارع مع السلطة لم يكن مفهوما بين الطرفين و لو بنسبة قليلة من طرف السلطة ودامت هذه الغشاوة و الضبابة مع مرور الزمن و لم تتفطن لما تريده الأمة و تراه كالطفل الذي لا يعرف مصلحته، و إذا حصل التعنت من البعض تضمه إليها و تعامله بالإغراء و المناصب.
و بهذا الأسلوب ضعفت المعارضة و صوت الشعب و إذا كان فيها من لم يستجب لمتطلبات السلطة و تأخذه الزعامة فتجعل له حركة تصحيحية من داخل حزبه أو جمعيته فيصبح لا يطبل إلا لنفسه.
و في هذا السياق لم تستطع أي معارضة كانت مهيكلة أو غير مهيكلة الخروج من الرواق الجهنمي السلطوي المدبر بإحكام.
و بتالي كانت السلطة بهذه الطريقة تفعل ما تريد في أي زمان و في أي مكان.
بل زاد الألم و تطور بتطعيمها لفيروس جعل ما بقي من المعارضة تزاحم أحزاب الموالاة على من يتحصل على عدد من المقاعد في الاستحقاقات التي تمنحها لهم السلطة و مناصب و امتيازات.
و انتشر هذا الفيروس و عم كل الساحة حتى أصاب جزء من المجتمع الذي ينتمي الى المعارضة، فأصبحت كلها تقريبا تسبح في فلك السلطة.
(يذكرني هذا في المشهد فيلم عربي وضع للشعب في ماء الحنفيات حبوب النفاق ).
اعتقد ان الجزائر اذا خرجت بما تريده من هذا المخاض المستمر، سيكون الازدهار و التقدم حليفها و تكون إن شاء الله نبراسا لغيرها في التطور و تحرير الذهنية و الحرية كما فعلته في تحرير بعض الدول من إفريقية و أمريكا الجنوبية إبان إعلان استقلالها.
و يكون الجيل الجديد الجزائري حاملا و متمسكا بما أنجزته و مقدسا له و متمما لما تمناه اجداده الشهداء بعد استقلالها، و بذلك يكونوا قد ادوا أمانة الشهداء.
و بالتالي نتخلص من كل الذهنيات و نمط التسيير القديم للفرد الجزائري.
إن وحدة الوطن الواحد و الموحد تجعل من هذا الشباب الصاعد صمام الامان ملتفا مؤمنا نقيا من كل الفيروسات مهما كان شكلها و خطورتها، يتقدم بخطوات ثابتة و معالم معروفة نحو مبتغاه و تطلعاته المنشودة.
كل ما أتمناه في هذا المجال أن مستقبل البلد يكون في ركب الدول المتقدمة و هذا نظرا لعدة مؤشرات، منها الثروات الموجود والمتاحة وعبقرية الجزائري والأمن و الاستقرار والعدل و الشفافية في التسيير.
grarmessaoud@yahoo.fr 16/05/2019-


