لرحاب الجزائر /عماره بن عبد الله
صدر مؤخرا عن دار الكتاب العربي للطباعة والنشر والتوزيع والترجمة، الكائن مقرها بالرويبة الجزائر العاصمة، الاصدار التاسع للباحث والاستاذ الجامعي الدكتور بريك الله الجكني التندوفي، الذي تطرق فيه إلى تاريخ مدينة تيندوف في القرنين 19 و 20 م، وذلك تحقيقا ودراسة في أهم القضايا التاريخية التي شهدتها المدينة العريقة.
المؤلف الشاب المعروف بغزارة علمه، والتي تترجمها إصداراته التاريخية وتحقيقاته العلمية، تطرق في هذا التحقيق الى تلك الفترة المليئة بالأحداث المختلفة والتي طغت عليها الحركة العلمية والنشاط التجاري من خلال تجارة القوافل الصحراوية بالاعتماد على الوثائق المحلية، هاته الاخيرة قال عنها الكاتب ” لم تترك لا شاردة ولا واردة من خلال رصد أغلب الاحداث والوقائع، التي كانت تجري على أرضها المباركة، وبالتالي أمام هاته الشواهد التاريخية والمتمثلة في الأوعية المعلوماتية التقليدية كالوثائق والمخطوطات استطعنا، يقول بريك الله “أن نستنطق مجمل هاته الوثائق بكل ما تضمه من فوائد تاريخية واجتماعية واقتصادية وسياسية ساهمت بشكل كبير وواضح في صناعة هاته المادة، التي بين ايدينا والتي سوف تتيح للباحثين كتابة تاريخ المدينة من كل جوانبه المختلفة، سواء من الناحية النظرية أو الكوديكولوجية حتى يطلع الباحث على أهم رافد من روافد كتابة هذا التاريخ الاجتماعي والاقتصادي والثقافي للمدينة، كما تطرق الباحث في المقال الثاني إلى الحياة الثقافية والاجتماعية بحاضرة تيندوف في القرن 19م ، وكيف عاش المجتمع الجكني في ذلك الترابط والتناسق الاجتماعي والثقافي مع بقية القبائل المجاورة له سواء في شمال افريقيا او غربها أو جنوبها أين استطاع أن يسوق الصورة الحسنة و الطيبة من خلال تلك الروابط التي جمعته بمختلف الاجناس الاخرى، في حين كان البحث الثالث يتحدث عن الجانب الاقتصادي وبالخصوص حول تجارة الملح والذهب بأسواق تيندوف في القرن 19م من خلال تجارة القوافل الصحراوية، وهذه الإشكالية يعلق بريك الله تصب في جزئية مهمة لم تنل قسطا من الأهمية والبحث من ذي قبل وتتمثل في النشاط التجاري والمبادلات الاقتصادية من خلال تجارة الملح والذهب وأهمية التجارة في ربط العلاقات ما بين مدينة تيندوف وإفريقيا الغربية المتمثل في السودان الغربي من خلال النهضة التجارية والنشاط الاقتصادي الذي كان سائدا أنداك، في حين تطرق المؤلف في البحث الرابع الى ثروة الإبل بتندوف من خلال تجارة القوافل الصحراوية في القرنين 19و20 م هاته المادة التي عرفت بأغلب مناطق الصحراء الكبرى، وهي تربية الإبل ونظرا لأهميتها الاقتصادية والنفعية، فهي مصدر مهما للغداء وسيلة ضرورية للنقل، وعليها اعتمد تجار القوافل الصحراوية في تنقلهم وسفرهم وحمل بضائعهم وتوصيل سلعهم، وفيما يخص الدراسة الخامسة فهي عبارة عن دراسة اهتمت بجزئية مهمة جدا من تاريخ المدينة الاقتصادي وهي وجود العملات الأجنبية والسك النقدية بمدينة تيندوف في القرن 19م من خلال الوثائق المحلية، أين حاول الكاتب الإلمام بأهم العملات والمسكوكات والنقود الأجنبية التي كانت رائجة بأسواق مدينة تيندوف في القرن التاسع عشر وحتى منتصف القرن العشرين ، والتي بدأت قصتها الأولى مع حملة أحمد المنصور الذهبي التي انطلقت من سوس نحو السودان سنة 1584م والتي كانت تستقطب ذهب السودان نظرا لنشاط الطريق الداخلي الممتد من تينبكتو إلى لكتاوة عبر أروان، تاوديني وتغازة تيندوف.
للإشارة فالباحث بريك الله حبيب، قامة أكاديمية علمية شابة ورائدة في عدة أعمال ومجالات لاسيما في التأريخ والتحقيق العلمي للمخطوطات، فضلا عن كونه وجه وصاحب حضور إعلامي في العديد من الملتقيات والورشات البحثية الاكاديمية وطنيا ودوليا، متحصل في طبعة 2018، على الجائزة الأولى في مجال التاريخ والتوثيق، وهي جائزة الشباب العربي المتميز لمجلس الشباب التابع لجامعة الدول العربية، بعد أن قدم عمل أكاديمي بحثي توثيقي انبهرت به اللجنة العلمية للجائزة، باعتباره مادة علمية تاريخية توثيقية جد هامة ودقيقة ، في الوقت الذي أصبح الكلام عن التاريخ شيء من الماضي ولابد يقبر ، وهذا ما نشاهده من خلال تكالب بعض الجماعات العدائية على التاريخ والإرث من آثار ومخطوطات خالدة تعكس واقع الأمة والإنسانية جمعاء.


