بقلم /أد/ مونيس بخضرة/جامعة تلمسان الجزائر
كيف عاد الزمن كله هو الحاضر؟
تفكّر الحاضر في ظل التحولات الحاصلة اليوم وكرونا تشكّل أحد أبرز عناوينه،بات أمرا ضروريا أكثر من أي وقت مضى، بما أنها أنستنا وأغنتنا السؤال عن بعدين زمنيين ظلا مطروحين بقوة في تاريخ العلوم والدراسات وهما الماضي والمستقبل.
فإذا كان الفلاسفة قداعتادوا طرح التساؤلات عن المستقبل وعن الصور التي سيكون عليها في ظل الأزمات والمخاطر التي بدأت تتراكم وتطفو على السطح وذلك منذ كانط مع مقالته “السلام العالمي الدائم” مرورا بهيجل وحديثه عن المخاطر التي يخفيها التنوير وماركس ونقاشاته الهامة حول التناقضات العميقة التي ستنتجها الرأسمالية، وعليها تكهّن أن القادم سيكون سيئا للغاية ولا يخدم عموم البشرية، بما فيها تحذيرات أزوالدشبينغلروهوسرل وهيدغر وأخيرا دريدا في تساؤله عن الغد.
ما تحدثه الكرونة اليوم يجعل من وجود البشرية تحديا للبشر أنفسهم، في ظل انتشار فيروس كرونا صار استمرار النسل البشري رهانا أساسيا، وهو يحصد يوميا ألاف الأشخاص عبر العالم، محدثا شللا تاما في قطاعات حيوية عديدة: الاقتصادية والاجتماعيةوالثقافيةوالرياضية، والذي حتما سيغير كثير من المفاهيم بما فيها القيم، التي من قبل كانت معظمها قيم ندعيها لا غير، ومن بين أهم قيمة أظهرها فيروس كرونة هي قيمة التكافل الاجتماعي وتضامن الدول والمجتمعات على مواجهة مخاطر هذا الفيروس، وما ترك إيطاليا إسبانيا لوحدهما في مواجهة هذا الفيروس تحت قبة الاتحاد الأوربي لخير دليل حول هشاشة هذه القيم وتفسخها بشكل مريب يبعث على القلق والحيرة.
صدمة كرونا جعلت من الحاضر يمتد على حساب زمن المستقبل، بما أن هذا الزمن في ظلها لم يعد له معنى، فماذا نعني بالمستقبل وربما نحن اليوم سنفنى وسنختفي بشكل جماعي كما تفنى جماعات كثيرة بسببه في كل لحظة ويوميا، إذ تعلقنا بالمستقبل غالبا ما يكون عندما يكون لنا فائض في الأمل وقوة في الحياة وإرادة قائمة نشعر بتدفقها، فهذه العناصر وللأسف هي تذبل باستمرار بسبب الخوف الشديد وهستيريا الموت والفناء، وصرنا نترقب النهاية في كل لحظة نقبل عليها.
عليه وجب أن نتساءل اليوم عن معنى الحاضر وعن معنى اليوم وعن الطرق التي نستهلك بها هذا اليوم الذي صار صعب المنال، حيث لم نعد نملك الإمكانيات الكافية على عيش اليوم، فصرنا عاجزين أمامه. وبهذه التحديات انتقلنا إلى حالة تسودها الحيلة، نتحايل على الواقع الذي لم يعد بيئة مناسبة لنا، ولم يعد يتوفر على شروط الحياة، وهذا ما أسميه العيش بالقوة.
لشرح عبارة العيش بالقوة، يجب أن نجيب على السؤال التالي: منذ متى والإنسان يعيش بالقوة؟ في الحقيقة هو سؤال صعب ومفخخ يحمل عدة دلالات وسرد تاريخي هائل، ويمكن اعتبار هذا السؤال أنه سؤال مرافق لتشكل المجتمعات على المستوى العملي، ومرافق لظهور الفلسفة على المستوى النظري ولجميع السرديات والثقافات الكبرى.
إلا أن الفترة المهمة التي تساعدنا جيدا على فهم هذه العبارة هي فترة الأنوار والحداثة، أو كما سماها ميشال فوكو بالفترة التي صار فيها الجنون والجنس والعقاب شيئا رسميا، والتي أنتجت معاني كثيرة تفيد العيش عنوة أو بالقوة، وهي الحالة التي نبذل فيها جهدا مضاعفا ومسكونا بالحذر الشديد على العيش والبقاء، وهي الحالات التي أخذت منحنيات تصاعدية في الاتجاه المعاكس للإنسانية، مرت بالحروب الكبرى التي عرفها القرن العشرين وفترة تزايد مد الإرهاب في العالم والهجرات الجماعية واليوم مع الحروب الفيروسية والبيولوجية.
فالعيش بالقوة مرتبط مع مفهوم الحاضر ومتداخل معه، والذي عبره البشرية مطالبة لتعلم تقنيات جديدة تساعدها على التكيف معه والتغلب على ما ينتجه هذا الحاضر.
فالحاضر في ظل كرونة هو مطلق بما أنه يربطنا مباشرة بالمصير والنهاية، فهو لم يعد مدخلا للمستقبل كما أشيع في التاريخ بقدر ما عاد هو الزمن كله، فهو صار أشبه بحجرة تفتقد للشروط اللازمة نتكدس فيها بشكل فوضوي.
من هذه القراءة يتبيّن أننا نحن البشير نعيش منعطفنا الأخير بعد منعطف التهديدات النووية، خاصة أن الخيارات الموجودة لم تعد متاحة لدينا بشكل كافي نحافظ على استمرارنا، وهنا تفتح نافذة ليست بالصغيرة لدوائر أخرى همشتها الأنوار والحداثة بشكل مريع، لعلها تساعدنا في محنتنا هذه، وأخص بالذكر الدين والفن والأنثربولوجيا.


