بقلم /د.عبد القادر قطشة
تخلي وزير الجالية الجزائرية في الخارج المعيّن حديثا في حكومة “جراد“، “سمير شعابنة” عن الحقيبة الوزارية مقابل ألا يتخلى عن جنسيته الفرنسية المكتسبة.
موقف هو وحده يعرف أسبابه وهو حرٌ في ذلك.
لكن السؤال كيف لم يُتبه إلى هذا قبل تعينه في الحكومة؟ ثم لماذا لم يرفض المنصب منذ البداية بحجة أن له جنسية ثانية لن يتخلى عنها؟
وحدث أن تمت إزاحته من المنصب بعد 48 ساعة، وذكرتنا هذه الحادثة، بتنحية وزير السياحة في حكومة الرئيس المخلوع بوتفليقة بعد يومين، ثم في حكومة أخرى بعد ساعتين، وطرحت العديد من الأسئلة.
لكن الحقيقة هو وجود الكثير من المسؤولين الجزائريين مزدوجي الجنسية، وآخرون يتهافتون للحصول على جنسيات أخرى خاصة الفرنسية أو على الأقل بطاقة إقامة أجنبية.
ولاحظوا كم كان من وزير في حكومات بوتفليقة يحمل الجنسية الأجنبية.
أضف إلى ذلك عندما تُنهى مهام هؤلاء المسؤولين، تجدهم يطيرون إلى أوطانهم الأخرى والتي يحوزون على جنسياتها.
وهناك العديد من أصحاب المال ومسؤولين يبحثون على الصيغ التي تمكنهم من الحصول على جنسيات أخرى خاصة الفرنسية – كما ذكرت سابقا -، ويقصدون بعض المحامين ومستشارين قانونيين في فرنسا مهنتهم هي إيجاد صيغ الحصول على بطاقات إقامة او الجنسية مقابل مبالغ كبيرة من المال.
إذا أين الخلل؟ بالنسبة للوزير المقال أو المستقيل أو الرافض التخلي عن جنسيته الفرنسية – سموها كما شئتم – هو أدرى بأنه إذا فقد هذه الجنسية المكتسبة، فسيخرج يوما من الوزارة ويجد نفسه واقفا في طوابير الانتظار في القنصليات الفرنسية في الجزائر لدفع ملف طلب الحصول على تأشيرة دخول فرنسا.
وقد لا يحظى بها أو يمنح تأشيرة سياحية لمدة قصيرة، ثم كيف يتنازل عن هذا الامتياز المكتسب؟بعيد عن اللغة الديماغوجية، ماذا فعل المسؤولون الجزائريون للجزائر؟ 58 سنة منذ الاستقلال إلى أين وصلت الجزائر؟
لا أريد الرجوع كثيرا للوراء فالحديث طويل جدا، فباستثناء الرئيس الراحل “هواري بومدين” الذي أراد أن يبني دولة اقتصادية بمنظور اشتراكي بتشييد مصانع النسيج والجلود والمواد الغذائية وغيرها وكذلك السياحة، وصناعة السينما، وغيرها… ماذا جنينا من العشرين سنة الأخيرة حيث امتلأت الخزينة العمومية بالأموال؟
وجدنا فسادا ساد في هذه المرحلة لم يسبق للجزائر أن عرفته، والغريب أن أغلب المسؤولين في حكم بوتفليقة ومن يسمون أنفسهم رجال الأعمال، متورطون من قريب أو بعيد في قضايا الفساد، ومحاكماتهم مستمرة إلى حد الآن.
لقد كبّدوا الخزينة العمومية خسائر لا يمكن تصورها – ومنهم من يملك جنسية مزدوجة – وهذا يفسر تعجب المرحوم قائد الأركان السابق “قايد صالح” من ملفات الفساد التي اطلع عليها.
وقد ذكرها وزير العدل الحالي “بلقاسم زغماتي” أمام النواب متعجبا ومستغربا من الأموال المنهوبة.
وليس بالضرورة كل من يملك جنسية أخرى يعتبر غير وطني أو ناقص وطنية.
فالكثير ممن أجبروا على العيش في دول أجنبية بعدما تعرضوا للتهميش والإقصاء في حكم بوتفليقة، وبالتالي وجدوا أنفسهم يحوزون جنسيات أو بطاقات إقامة البلد الذي يقيمون فيه، وقد يكونون وطنيين ومحبين لوطنهم أكثر.
وهناك الوطنية الأخرى التي تُردد وتُستغل ونلاحظها في المنابر المختلفة، مثل القاعة البيضوية وما جلبت من أشكال وأشكال مختلفة تأييدا ومطالبة بإعادة انتخاب المجاهد بوتفليقة لعهدة خامسة، وهدفها المحافظة على الامتيازات والضفر بالمناصب والمكاسب.
إذا الوطنية ليست كلمة تردد بل هي فعل على أرض الواقع، وهي كل من يقوم بعمله بإتقان، ورجل الأعمال من يستثمر ماله من أجل خلق الثروة ومناصب العمل، والمسؤول من يحافظ على المال العام، والناخب من ينتخب على المرشح الكفؤ، والمسؤول من يعين أصحاب الكفاءة وليس المحسوبية…


