مراسلة من باريس /د.
عبد القادر قطشة
عاد النقاش مؤخرا في فرنسا عن الهجرة غير الشرعية في وسائل الإعلام، بعدما أثارت إحدى الجرائد الاسبانية في أحد أعدادها سؤالا: ماذا يحدث في الجزائر بعد وصول ما يقارب 500 “حراق” إلى سواحل اسبانية؟
وتناولت وسائل الإعلام الفرنسية خاصة قناة CNEWS بحضور محللين ومختصين هذا الموضوع بالحديث على أن الجزائر لا تعيش حربا حتى يحدث مثل هذا، ومن بين أجوبة أحد رؤساء الجمعيات التي تهتم بالهجرة غير الشرعية أن طلب اللجوء والهجرة غير الشرعية لا يعني بالضرورة أن تكون البلاد في حرب فهناك أسباب عديدة لهذه الظاهرة….
ومن حق المواطن أن يعرف أسباب هذه الظاهرة وفي هذه الظروف، فهل هناك من يحرد على مثل هذا؟!! ومن يزرع اليأس في نفوس الجزائريين؟!!
وقد لاحظنا في الأسابيع والأشهر الماضية خطاب اليأس الذي تسوقه بعض وسائل الإعلام المحلية وحتى الدولية في نفوس الجزائريين خاصة مع استغلال الأزمة الصحية ومعالجتها من الحكومة الجزائرية.
وكان رئيس المجلس العلمي لمراقبة وتسيير الأزمة الصحية في فرنسا قد صرح لقناتي BFM و RMC الإخبارية الفرنسية «Jean François Delfraissy » في الأسابيع الماضية أن الموجة الثانية من انتشار فيروس كرونا قد تصلنا من جنوب فرنسا وكان يقصد دول المغرب العربي خاصة الجزائر.
وذلك لتطور تفشي الفيروس في الجزائر بشكل كبير.
والجزائر من الدول المراقبة من طرف الاتحاد الأوروبي والمحتمل غلق الحدود معها حسب تطور الوضع الصحي.
الحقيقة أن مأساة المهاجرين في فرنسا كبيرة، فالذي يظن أنها الجنة فهو مخطئ.
فالغالبية من المهاجرين بدون وثائق يعانون الويلات من كل جانب منها: أنهم لا يملكون أية حقوق في العمل والسكن والمساعدات الاجتماعية باستثناء العلاج وفق شروط ورحلة أوراق وطوابير.
ومن له الحظ تجده يعمل في ورشات البناء أو المطاعم والمقاهي ولكن دون التصريح بهم في الضمان الاجتماعي، واستغلالهم وبراتب زهيد.
حتى الذين تتوفر فيهم الشروط للحصول على الأوراق الإدارية فهم يعانون من البيروقراطية الإدارية المسلّطة عليهم، ومعروف عن فرنسا أنه بلد بيروقراطي بامتياز.
فمن أجل طلب موعد لدفع ملف التسوية الإدارية، فيجد الطالب نفسه أمام مواقع الانترنيت للدوائر الإدارية المختصة مغلقة دائما، حيث يصعب الحصول على موعد.
وسألت أحد هؤلاء فوجدته تقريبا منذ سنتين يبحث عن موعد لتقديم ملف طلب تسوية إدارية في ضاحية» سان سان دوني «Seine-Seine-Denis دون جدوى وعندما راسل المسؤولين، فالجواب كان أن الطريقة الوحيد هو التسجيل والحصول على الموعد من خلال موقع الدائرة المختصة، لكن كيف؟!! حيث يبقى طالب التسوية معلقا.
وأصبح الحصول على موعد يتطلب رفع قضية أمام المحاكم الإدارية.
أي بيروقراطية الكترونية كبيرة.
وهذا للحد من استقبال الطلبات التي كثرت بشكل كبير ومتزايد خاصة بعد الخراب العربي الذي سموه بالربيع العربي.
وزادت طلبات اللجوء السياسي للدول التي بها الحروب وعدم الاستقرار، فازداد المصريون والسوريون بالإضافة إلى المهاجرين من المغرب العربي طالبين اللجوء باسم المثلية الجنسية وتغيير الدين وغيرها… المهم هو إيجاد صيغة معينة لطلب اللجوء والحصول على الوثائق الإدارية.
أضف إلى ذلك طلبي اللجوء من الدول الأسيوية خاصة الجالية الباكستانية التي ازدادت بكثرة في العشر سنوات الأخيرة حيث غلقت عليهم إنجلترا المجال عندما كانت وجهتهم إليها الأولى فوجدوا فرنسا أحسن الدول الأوروبية للهجرة إليها.
وبالتالي وجدت فرنسا نفسها أمام أعداد كبيرة من المهاجرين غير الشرعيين، ومع صعود “ماكرون” إلى الحكم عدّل في قانون الهجرة، وأصبحت طلبات التسوية والحصول على الإقامة في فرنسا ترفض بشكل كبير، حتى ممن كانوا يملكون بطاقات إقامة أصبحت ترفض تجديدها لأتفه الأسباب.
وبالنسبة لبقي الدول الأوروبية نفس السياسة فليس بالسهل الحصول على بطاقة الإقامة، فالأمر يتطلب رحلة مشقة وعذاب إلى غاية التسوية الإدارية وأحيانا كثيرة لا تسوى.
فإيطاليا مثلا توقف المهاجرين غير الشرعيين عند الحدود ثم تتركهم يخرجون حدودها متجهين غالبا إلى فرنسا.
وأصبح الشارع الفرنسي يعج بالمهاجرين غير الشرعيين خاصة في دائرة إيل دوفرانس Ile de France حيث العاصمة الفرنسية وضواحيها خاصة التي تجد فيها كل أشكال المهاجرين من أوروبا الشرقية خاصة رومانيا والغجر الذين يسكنون تحت الجسور ولا يعلمون حتى أولادهم في المدارس، والأكراد السوريين الذي فروا من الحرب في سورية منذ 2011 وتجدهم أيضا في الحدائق والأسواق مجموعات مجموعات بالإضافة إلى نسبة كبيرة من الشباب المغاربي والأفارقة والباكستانيين يبيعون التبغ وشرائح الهاتف النقال والذرة أمام محطات القطار في ضواحي باريس.
إنها صورة بؤس الهجرة في فرنسا الذي يراها الكثير على أنها الحصول على امتيازات ووجود حياة رفاهية، بل هي رحلة عذاب وبؤس. لكنني لا أجيب هنا في مكان الناس وفي اختيارهم للهجرة فكل شخص اختار الهجرة لأسباب هو يعرفها.
بل هنا أنقل للقارئ صورة المهاجرين في العشر سنوات الأخيرة في فرنسا.
وبقي على الحكومة الجزائرية أن تجد حلولا للشباب اليأس ولخرجي الجامعات ومعاهد التكوين، وإبراز السياسة الاجتماعية والاقتصادية المنتهجة في المستقبل القريب، واستخدام لغة الاتصال الصحيحة والهادفة بعيدا عن تصريحات بعض المسؤولين المستفزة أحيانا والشعبوية أحيانا أخرى.
فنحن نعيش عالم التكنولوجيات الاتصالية الجديدة، ولم يعد صعبا معرفة ما يحدث عندنا أو في الخارج.


