الدكتور /
عبد القادر قطشة
الحديث عن الإعلام في الجزائر، يختلف من مرحلة إلى أخرى، فبعد الاستقلال أغلقت السلطات في وجه الصحافة المستقلة ولم يبق سوى صحافة النظام آنذاك، وحتى الصحفي يعتبر مناضلا في حزب جبهة التحرير الوطني الحزب الواحد والحاكم.
وظل عمل الصحفي الدعاية “للجهاز” كما سيمي أنداك.
ولم يختلف الوضع كثيرا مع حكم الرئيس الشاذلي وحتى مع بروز قانون الإعلام 1982 بل بقي الوضع كما عليه كل الوسائل الإعلامية عمومية، والشيء الذي تغير هو انفصال الإذاعة عن التلفزيون وأصبحتا مؤسستين ذات طابع تجاري – طبعا هذا في القانون – وبروز بعض الجرائد العمومية مثل المساء الناطقة بالعربية وHorizon الناطقة بالفرنسية، ولكن لا جديد في الخطاب الإعلامي إلا التسويق للنظام الحاكم.
لكن بعد انتفاضة أكتوبر1988 تغيّرت المعطيات ودخلت الجزائر مرحلة التعددية الحزبية والإعلامية، خاصة مع صدور قانون الإعلام لسنة1990 وإصلاحات رئيس الحكومة مولود حمروش.
وظهرت حرية إعلامية غير مسبوقة في العالم العربي، وتعدّدت الجرائد المستقلة وتغيّر الخطاب الإعلامي، فكانت بمثابة القفزة النوعية في ميدان حرية الصحافة والتعبير.
لكن تعليق المسار الانتخابي سنة 1992، قيّد الصحافة من جديد حتى المستقلة منها، نظرا للظروف الخطيرة التي مرت بها الجزائر في تاريخها والتي سميت بالعشرية السوداء.
ومع صعود وانتخاب الرئيس الأسبق اليمين زروال رئيسا للبلاد، أراد فك الخناق عن الصحافة وأصدر تعليمة سميت بالتعليمة 17 التي تتيح للصحافة أن تعمل وتنتقد بحرية ومنها وسائل الإعلام العمومية كالتلفزيون العمومي…
لكن مع مجيء بوتفليقة سنة 1999 أعاد الصحافة إلى سابق عهدها المغبر، وكان له حساسية من الصحافيين وهو من سماهم ب «طيبات الحمام” وفهم الإعلاميون بداية نهاية حرية الصحافة والتعبير في حكمه.
وبما أنه لا يستطيع إعادة الصحافة إلى بداية الاستقلال قام ب «صعلكة المهنة” وتهميش المهنيين وتنصيب الرديئين على رأس المؤسسات الإعلامية، وابتزاز الصحافة المستقلة بالريع الإشهاري والمطبعة. فخلق منظومة إعلامية مهترئة مدة عشرين سنة.
وتكوّن الصحافيون في ظل هذه المنظومة، وغابت النقابات المهنية المحترفة للصحافيين، وأصبح العمل الصحفي يبني تقاريره على الفخامة وينهيه على السمو والمعالي.
وابتعدت المهنة عن أهدافها وهي حق المواطن في الإعلام.
ومع بداية أحداث 2011 التي أجبرت بوتفليقة على تقديم تنازلات، منها فتح المجال السمعي البصري، – ولكن يا ليته لم يُفتح بهذه الطريقة -، حيث سنّ قانونا سنة 2012 الذي يسمح بإنشاء قنوات تلفزيونية خاصة ولكن لم يحدد كيف؟، حتى سلطات الضبط بقيت معلقة، لأن القوانين التي تسمح باعتماد هذه القنوات مازالت لم تر النور بعد.
أضف إلى ذلك لا يوجد مفهوم واضح لتعريف وتحديد مفهوم الصحفي المحترف والمراسل الصحفي ومن هو الصحفي المواطن ومن هو المدون….
هذا الغموض خلق نوعا ممن يسمون أنفسهم بصحافيي المواقع أو الجرائد الإلكترونية، وأغلبهم لا علاقة لهم بميدان الإعلام وتقنيات التحرير، وأخلاقيات المهنة.
فراحوا يمارسون المهنة بشكل أعرج وفي غالب الأحيان همهم الابتزاز من أشخاص يملكون عنهم معلومات أو فيديوهات أو بإيعاز وغيرها.
فأصبحت مهنة الابتزاز…
وكذلك القنوات التلفزيونية الخاصة والغير معتمدة، – وهناك حديث عن اعتماد بعضها كمكاتب -، تعمل هي الأخرى في فوضى عارمة وتقدم برامج وتبث الإعلان كأنها قنوات تلفزيونية معتمدة، وتوظف دون معايير وكثير منها تمنح رواتب زهيدة لا ترقى إلى الأجر الأدنى للعاملين بها، وفي غالب الأحيان تتعدى مدة الستة أشهر.
وضع مأسوي للعاملين بهذه الوسائل…
ولا أتكلم عن المراسلين داخل الولايات والذين يعملون دون شروط واضحة، ولا يعرفون المهمة الموكلة إليهم، وكثير منهم يعتبرون عملهم هو انتظار تغطية خرجات والي الولاية بعيدا عن هموم ومشاكل المواطن خاصة في المدن الداخلية.
والخطأ لا يتحمله النظام لوحده، فالمهنيون في ميدان الإعلام لهم نصيب كبير من هذا الوضع، وذلك بعدم تكتلهم في نقابات مهنية بعيدا عن النقابات الريعية والتي يريد أعضاؤها التقرب من الإدارة من أجل مآرب ذاتية، وكذلك اتحادات وفيدراليات تهتم بوضع الصحافيين المهني والاجتماعي والدفاع عن حقوقهم.
لكن وللأسف وضع الصحافي وأصحاب المهنة مؤسف ومخجل للغاية.
وتشريح المشهد الإعلامي في الجزائر يتطلب الكثير من الحديث والنقاش لأنه إرث كبير من التراكمات والفوضى، والتي خلّفها الرئيس السابق حتى يُعمّر نظامه، واستطاع أن يخرق الدستور سنة2008 ويفتح العهدات لنفسه ليبقى عشرين سنة في الحكم تركا البلاد في غيبوبة اقتصادية ومالية وسياسية وإعلامية تنتظر من ينقذها.
واعتقادي أن تنظيم المشهد الإعلامي الجزائري يكون بتشريع قوانين واضحة تحدد المفاهيم وكيفية التوظيف واعتماد الوسائل الإعلامية بشكلها المختلف وضبط الواجبات والمسؤولية والحقوق للصحافيين والمهنيين بصفة عامة، وخلق مجلس لأخلاقيات العمل المهني.
ونقابات مهنية تهتم بوضع الصحافيين وتدافع عن مطالبهم المختلفة.
ولن يكون هذا إلا بإرادة واضحة وصريحة.


