بقلم الدكتور/
حازم عبودي السعيدي
ليس المقصود بالغنائية ما ذهبت اليه حركات الحداثة وما بعد الحداثة وتسميتها ازاء الآليات المتأثرة بالفرويدية وانفعالية النفس السيكولوجية الفنية وانما هو الفعل المرئي الباعث بالحياة والتجلي في اعمال
الفنانة التشكيلية والخطاطة المصرية (لمياء بدران ) وهو فعل النهج الفني الذي ارتبط بتراث وانتاج الاعمال الفنية التقليدية وتجسيد ملامح ذلك في التجريب والاختبار ليشكل بالتالي انعكاسا جماليا لدوافع نفسية ذاتية .
اذ لا يخفى مسمى الغنائي عما تساوقه طرق التعبير عن الفن ومنها الخط العربي وارتباطه بعناصر معبرة عن معنى الانفعال واصفة اياه بعدم الخروج على بنية العمل في التشكيل والركون الى صراحة التحاور مع نوع الخط في جذوره الاولى ذلك هو المبسوط الممتثل الى القياس ويبوسية التكوين في نوعيته الخط الكوفي الهندسي والمنفذة على بعض الواحها الفنية اوالعكس في الركون الى نقيضه في الخط المقور او اللين والمعروف بعديد تنوعه (الخط الديواني والنسخ والتعليق …).
من تلك المفتاحية بدأت (بدران) خطاها في استقدام مبسطات التزيين المنتجة برصانة الخط العربي بوصف ما تؤكده امتداد طبيعي لحركة الفن في الساحة العربية النسوية التي عدت نفسها واحدة من ذلك الركب لما نشأت عليه وترعرعت بل وتلبست بعشقها لفكرة التغني بالخط ,محافظة بذلك على فعل الاداء الكلاسيكي لنمذجة الفن وقدرتها بالتالي في السيطرة على مخارج نتاجها ولا نعتقد ايضا رفضها للتحديث بما ينسجم وآليات التحول الايجابي في استقطاب المزيد من التحول او التغيير من شأنه ان ينعش سالكات الطريق ,بمعنى ادق واكثر وضوحا في رغبتها نحو الاستمرار في الاسلوب الشكلي الخاص والمعتاد حيال الوعي الانفعالي الذي قد نسميه باللعب المقيد وليس بالحر ,وهنا نتيقن بعدم رغبتها في ادخال خامات ورقية متنوعة او الاقدام على حلية لا كثر من خط في ذات اللوح ناهيك عن خامات اخرى قد تفسد عشقها ,فالمتلقي له الدور الايجابي حيث يضيف متعته ولذته الى نتاج (بدران) بصفة التداخل كتلك التي يستمع اليها القطعة الموسيقية حينما تأخذنا نحوها وتطربنا وتشجي بل وتغني وجداننا وتشبع احاسيسنا بمجرد سماعها
والانصات اليها ,لذا ان غنائية الواح الفنانة لم تكن في معزل بصري او حسي عما يدور في خلجات النفس ومحيطها وانما لوجود مشتركات تتوافق ايقاعاتها وتتكرر مساراتها هي من احدثت معنى الانقياد الى نماذج التكوين في التصميم المنتج كالافقي او العمودي او المربع والملتف ,محاولة اصطحاب المتلقي وانجذابه نحو فهم الحياة في الفن , ومن خلال طريقة اختيارها لبنية التصميم الخطي نجد ان السور القرآنية والايات ماهي الا صورا تعالج التزامها امام العقيدة الاسلامية ,فهي تحقق الوضوح الفني السطحي ذي البعدين متجاهلة البعد الثالث الا وهو العمق او المنظور في اغلب لوحاتها فضلا عن الاحتكام الى السطرية كسياق تقني وهذا بالتأكيد يحمل مألوفاته كضرورة تستبعد الغرابة والتناقض وبالتالي التحكم في منطق الصورة الفكرية والجمالية للخط العربي .
وبايجاز لا بد لنا من الوقوف على ملامح اكثر دقة لجأت اليها (بدران) الا وهي علاقة بنية الخط العربي بالزخرفة وعلى الرغم من المسميات فأن الشرائط والافاريز كانت منطقة جذب للفنانة تمثلتها في بعض لوحاتها على اساس مقابلة البعض للبعض وهو تسليم بتمكنها من اظهار براعتها في التكوين المسند الى الاصول ولعل لوحها (النصر)الممشقة بالخط الديواني (ان ينصركم الله فلا غالب لكم )محاطة باربعة ايات اخرى (نصر من الله وفتح قريب \ان تنصروا الله ينصركم \وما النصر الا من عند الله \الا تنصروه فقد نصره الله \ واحدة من موضوعاتها التي استخدمت فيها الافريز الخارجي المطعم بورق الابرو وجاورته باطار ذهبي دقيق ثم اتجهت نحو محور اللوح في السعي لتشكيل زخرفة نباتية متشابكة قدمت فيها اس تنظيم الزخرفة بشكل وافي لما للتكرار دور فاستأذنته (تكرار عادي \وعكسي\ومتبادل \ومتساقط\وافقي \ورأسي \ومنحني) اذ ظهر شكله في تبني الاتجاه الرباعي والثماني للنجمة العربية الاسلامية وحركة الجهات واحاطت بها مفردات الاية القرآنية بعد ام جعلتها محور شاكلته بهيأة بيضوية ,ملونة اياها بالوان تحاكي (الزهري والقهوائي والبني والسمائي ) حيث المشهد برمته يحيل متلقيه الى ماتأثر به الفنان المسلم في البيئة والطبيعة مما اسس الى تأكيد الصلة بين الامس واليوم ولعل الارث الحضاري الفاطمي ومن خلال تواجده في مصر كان ولا زال عالما رؤيويا اتاح للفنانة تحقيق فعل المخيلة المنساقة باحاسيس بواطنها ان تحاكي ما تلقته من معطيات لن تخفى في الحس الظاهر وما اشيع منها في المنمنمات والخزف انذاك

لعلنا ادركنا المضامين والاشكال لدى (بدران) في افضائها و احاطتها بثقافة اللوح الخطي والزخرفي كصلة الزوايا والاسفال والسطوح الممتدة وغير الممتدة ناهيك عن المنتهية بعد ارتباط جل ذلك بالفكر الاسلامي من حيث الديمومة والامتداد عبر الازمان وهذا ما اكدته في نماذجها التي حملت بين طياتها عمقا تعبيريا دال على جعل السطوح البيضاء سطوحا استتيكية تنعم بالجمال كما الفضاء والسماء ملئى بالنجوم والكواكب والابراج , فهي تحاول كغيرها في التعبير عن حقيقة الطبيعة والحياة كوسيلة لا تخلو من الالهام والابداع وبالتالي انها تتناول محددات الشكلية الخطية وتراكباتها على الرغم من تجريدية البعض وهذا يتضح وافيا ازاء التداخلات الزخرفية النباتية والهندسية التي ارتبطت بمعنى التجريد اللوني معززة التوجه الى بنية التفرد .






