لرحاب الجزائر / مداحي آمال
إن موضوع التربية الجمالية من المواضيع المهمة في الحياة الإنسانية، كونها علم من العلوم التي تعمل على تنمية قدرات الإنسان و تطور نموه بهدف بلوغ الكمال، ولا تقتصر التربية في مجال معين بل إلى أبعد من ذلك، فتشمل مجالات مختلفة و متعددة سواء كان ذلك في مجال الفنون أو غيرها من المجالات، و الواضح أن التربية الجمالية مبنية على حقائق تصب في موضوع عملي تطبيقي قائم على أساس تجارب عديدة، فهي تسعى للاهتمام بالإنسان و العمل على توجيهيه لمَ هو أفضل بغية تحقيق التطور، وما دامت التربية تتضمن و تشمل العديد من المجالات و الفروع و تتداخل مع مختلف العلوم.
فنجد التربية الجمالية تنبثق و تندرج من التربية و علم الجمال.
لتصبح بذلك التربية الجمالية التي تعمل على صقل التذوق الجمالي لدى الإنسان هذا الأخير الذي يمتلك القابلية على النمو و التهذيب و بمعنى آخر التدريب، فهو بحاجة ماسة للتربية عامة و التربية الجمالية خاصة لأنه بحاجة لامتلاك الوعي الجمالي الذي يمكنه من تذوق الجمال و الإحساس به، مما يؤثر ذلك على قيمه و علاقاته مع الغير.
وهنا تبرز أهمية التربية الجمالية عليه و على مجتمعه، و بالتالي نجد لها مكانه هامة إذ تعمل على تحضره ورقيه الفكري.
فنطرح تساؤلات عديدة ما مدى تأثير التربية الجمالية على الإنسان ؟ وكيف يمكننا تحقيق التربية الجمالية على الواقع المعاش ؟ أولا لابد من تعريف التربية الجمالية :
« إن التربية الجمالية هي حصيلة اللقاء بين التربية والجمال، و يقصد بها الجانب التربوي الذي يرافق وجدان الفرد وشعوره، و يجعله مرهف الحس مدركا للذوق و الجمال فيبعث ذلك في نفسه السرور و الارتياح و التربية الجمالية تعني: تلك الطرق و الوسائل التي تستخدمها الإدارة التعليمية لتنمية الحس الجمالي لدى الطفل من خلال العمل الفني.
»1 وفي تعريف آخر : نجد بأنها : « تنمية الإحساس الجمالي في الإنسان للوصول إلى الابتكار والإبداع والتذوق »2 « مهمة التربية هي العمل على تحقيق نمو متوازن للشخصية فلا بد لنا-بالتالي-من الاعتراف بضرورة تنمية الوظائف الوجدانية، جنبا إلى جنب مع الوظائف العقلية، خصوصا وأن الصلة وثيقة بين هذين النوعين من الوظائف النفسية، بحيث أنا ما يؤثر على الوجدان لابد في الوقت نفسه من يؤثر على “التفكير”.
فليست التربية الوجدانية عملية نفسية مستقلة تمام الاستقلال عن “التربية الذهنية” بل هي جزء لا يتجزأ من تلك العملية السيكولوجية المتكاملة » 3 منه فالتربية الجمالية هي التي تعمل على صقل الذوق الجمالي وتسعى إلى تنمية شخصية الإنسان ليصل بذلك إلى مراحل الابداع.
وفي حديثنا عن التربية الجمالية نشير إلى نقطة مهمة وهي أن كل الحضارات اهتمت بالتربية الجمالية وكانت هناك نظريات حولها كنظرية أفلاطون الذي ركز على أهمية التربية عامة والتربية الجمالية خاصة.
و نجد التربية الجمالية كنظرية عند فريدريش شيللر الذي كتب كتاب تحت عنوان التربية الجمالية للإنسان، إضافة إلى جون ديوي، حتى مالك بن نبي في كتابه شروط النهضة ركز على أهمية الذوق الجمالي في البناء الحضاري، و غيرها من النظريات و الاتجاهات التي أولت للتربية الجمالية الأهمية.
معايير التربية الجمالية: للتربية عامة دور مهم في حياة الفرد لأنها تعنى بالرعاية و التنمية و الإرشاد ولعل التربية الجمالية تختص بدور هام و فعال لتنمية الذوق الجمالي و صقل الذوق لدى الفرد وكذا مجتمعه، من أجل الارتقاء بروحه و السمو بها و يوجد للتربية الجمالية أسس متعددة و أساليب كثيرة، و معايير عدة كما أنها تشكل جوانب عدة وهي متضمنة كل مجال فنجدها في التعليم تحديدا المؤسسات التربوية و كذا المجتمع الذي يشكل محور هام في التربية و الأسرة هذه التي تعد من الأسس الرئيسية للتربية، فكل هذه المعايير تسعى لغرس مبادئ التربية لدى الفرد.
فمعايير التربية الجمالية هي : الأسرة ، المجتمع، المدرسة، الدين. مجالات التربية الجمالية: « للتربية الجمالية العديد من المواضيع التي بدورها تشمل فنون الجماليات ونجد هربرت ريد يحدد مجالات التربية الجمالية من أهمها:
التربية البصرية: العين التربية التشكيلية: اللمس التربية الموسيقية: الأذن والموسيقى التربية الحركية: العضلات الرقص التربية اللفظية: الكلام الشعر: والدراما التربية الإنسانيّة الفكرة للتربية » [4] أهمية التربية الجمالية :للتربية الجمالية أهمية خصوصا على الجانب الجمالي في الإنسان، فهي تسعى لغرس المبادئ هذا ما يجعل لها قيمة كونها تعمل على تهذيب السلوك و تنمية شخصية الفرد إضافة إلى تكوين العلاقات بين الأفراد، و مهمتها في صقل الذوق الجمالي، من أجل تمكين الإنسان من إدراك الجمال وتقديره .
« إن الحياة بدون إحساس بالجمال تؤدي إلى الشعور بالملل وذلك أن الجمال قيمة روحية كبيرة، ولو اقتصرت نظرتنا للحياة على جانبها النفعي تصبح الحياة مادية آلية روتينية.
و تعد التربية الجمالية للإنسان أحد خطوط الدفاع المهمة إزاء تحديات القرن الحادي والعشرون.
* تحقيق التكافل الاجتماعي في أجمل صورة، في ظل التربية الجمالية، التي تساعد على تحقيق رقة مشاعر الأفراد، فلا أحقاد ولا صراع ولا أنانية.
* تعد التربية الجمالية أحد متطلبات الحياة العصرية فالمتعلم يحتاج إلى الإشباع الوجدانيّ، و خاصة الإحساس بالجمال الذي يعد وسيلة رئيسية تعطي للحياة معنى وبهجة. » [5] أثر التربية الجمالية على الإنسان :
إن الإنسان بحاجة ماسة للتربية الجمالية من أجل امتلاك الذوق الجمالي، فالتربية الجمالية تعمل على تحقيق نمو شخصية الفرد و اكتماله من كافة الجوانب، ويظهر تأثيرها عليه في عملها على تربيته و تنمية الإحساس الجمالي لديه « و إذا كان إنسان العصر الحديث أحوج ما يكون اليوم لتربية الجمالية فما ذلك إلا أنه في مسيس الحاجة إلى “ وعي جمالي ” يوقظ إحساسه بالقيم والحق إننا نحشو أذهان أبنائنا بالكثير من المعارف والمعلومات والأفكار ولكننا قلما نحرص على تزويدهم بالقدرة على الدهشة والإعجاب، والتفتح الوجداني، وليست مهمة المربي اليوم سوى العمل على إبراز أهمية “التربية الجمالية” ودورها في صقل ذوق الفرد.
حتى ينفتح من جديد أمام نسل “عالم القيم” الذي لطالما عميت عنه عيوني بني الإنسان.
» .[6] ومنه فالتربية الجمالية لها دور هام لأنها تساعد في تنمية الشخصية وكونها تغرس في الإنسان القيم الجمالية و الأخلاقية و التربوية و تعمل على تدريب الحواس مما يجعل الإنسان ذا قدرة على التعبير و إبراز مشاعره ليتفاعل مع غيره وفق القيم الجمالية.
ونضيف أن التربية الجمالية من « أفضل الطرق و الوسائل للتهذيب، فمن خلالها يتطور السلوك الأخلاقي، و ينمو بصورة طبيعية، أما الوسائل النفسية الأخرى لضبط السلوك ففي رأيه أنها و سائل مؤقتة و غير مجدية، لأنها تحمل السلوك الأخلاقي لا بدافع داخلي، و لكن مجرد الخوف الكامن من العقاب.
»[7] لذلك نجد تأثيرها على الإنسان لأنها تسعى للبلوغ الإنساني وفق تنمية الذوق لديه وتعزيز ملكته الذائقة.
في ختام هذا الموضوع نستنتج أن التربية الجمالية تعمل على تربية الإنسان كما تعزز فيه حب الجمال، و تجعله يسمو بالذوق الجمالي الذي ينعكس على حياته و أنماط السلوك لديه، مما ينعكس ذلك على القيم و العلاقات الاجتماعية، بل وتنعكس على الجانب النفسي و تؤثر على الجانب العقلي، هذا ما يؤدي بالإنسان إلى التقرب من معرفة الجمال في الكون و محاولة تجسيد هذا الجمال الذي يكمن بداخله في عالمه الخارجي.
لذلك لابد من تسليط الضوء عليها و ضرورة الاهتمام بالتربية الجمالية في حياة الإنسان، و التركيز على موضوعاتها و ممارساتها. و لابد من الإشارة أيضا إلى ضرورة الاهتمام بمحتوى مادة التربية الجمالية في المناهج المدرسية و ذلك من أجل تنمية المهارات لدى المتعلمين، و إثارة أفكارهم الإبداعية
و إثراء فكرهم، بحكم أن التربية الجمالية تعمل على صقل الذوق الجمالي لديهم و تخلق بروح الفرد الإبداع، و تساعده على حرية التعبير و تعزز حب الجمال و تنمي الإبداع في شتى المجالات و على وجه الخصوص المجالات الفنية.
الهوامش : [1] صالح الشامي، التربية الجمالية في الإسلام، ط١،( لبنان، المكتب الإسلامي،1988)، ص19. [2] علي سعيد إسماعيل، السنة النبوية رؤية تربوية، (مصر، دار الفكر العربي، 2002)ص308. [3] زكريا إبراهيم، الفنان والإنسان، (مصر، مكتبة غريب،1991)ص144. [4] منى كشيك، الوظائف التربوية للتربية الجمالية دراسة ميدانية من وجهة نظر معلمي التربية الفنية في التعليم الأساسي، (رسالة ماجستير غير منشورة )،جامعة دمشق،سوريا، سنة 2014 ،ص157 [5]فوزي الشربيني، التربية الجمالية بمناهج التعليم لمواجهة القضايا والمشكلات المعاصرة ، (ط1،مصر،مركز الكتاب،2005)، 33. [6]كريا إبراهيم، الفنان والإنسان،(مصر، مكتبة غريب بدون سنة)، ص، ص 149، 150. [7]هربرت ريد، التربية عن طرق الفن، تر: عبد العزيز توفيق،(ط1،مصر،الهيئة المصرية العامة للكتاب،1996)ص282


