الاستاذ الدكتور حمام محمد/ استاذ الاعلام والاتصال والادب جامعة الجلفة ..الجزائر
إن أداة الذكاء الاصطناعي، بما تملكه من مميزات عجيبة وإثارة كبيرة، ستدخل حيّز التطبيق في مجالات لم نفكر فيها الآن، بل سيأتي التفكير فيها مستقبلًا من خلال عمليات معقّدة، في شكل خدمات سريعة وفعّالة، ذات أبعاد بصرية وسمعية وكتابية.
ولعلّ كل واحدٍ منّا سيتمكّن، بعد قراءة متعمقة أو دراسة أكاديمية في المقررات الجامعية أو عبر الإنترنت، من الاطّلاع على كيفية استخدام الذكاء الاصطناعي والتحكّم فيه، شأنه شأن الآلة الحاسبة. ومن المرتقب في سنوات قليلة أن نصبح مرتبطين بالمستقبل والماضي في آن واحد، لكن بشكل افتراضي فقط.
ستتمكّن هذه الأداة، بخوارزمياتها، من الإجابة عبر التجسيد التصميمي الافتراضي عن كل ما نطلبه من المستقبل. فبدلًا من رسم صورة لما قد يكون عليه الفرد في مختلف مراحل العمر، يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يوضح أمامه العراقيل والصعوبات التي قد يواجهها خلال 10 إلى 20 سنة قادمة، بل وسيجيب وكأننا نعيش في المستقبل فعلًا. ولا ينبغي أن نستغرب هذه العملية، فهي تقوم على خوارزمية بسيطة تتعلق بالقراءة المستقبلية للمعلومات المخزّنة وتحليلها بآليات متقدمة وخوارزميات صادمة للحلول. كما سيصبح بالإمكان استدعاء الذكريات، جميلة كانت أو حزينة، ومشاهدتها بصريًا والتفاعل معها والعيش في أجوائها، بل قد يتمكّن المرء حتى من التحاور افتراضيًا مع شخص متوفى مضت على وفاته سنوات.
إن هذه المنجزات تظل بسيطة إذا ما قورنت بثورة الخوارزميات التي باتت تطرح أسئلة حول كل شيء في الطبيعة. ومع ذلك، يظل هناك أمر شديد العمق، وهو أن جميع الأسئلة التي تُوجَّه إلى هذه التقنيات إنما هي أسئلة إنسانية، أسئلة العقل البشري.
فإذا توقّف هذا العقل عن التساؤل، فلن يتقدّم الذكاء الاصطناعي أبدًا، لأن تطور الأخير مرهون بالشرارة الإنسانية التي يثيرها العقل البشري في لحظات الحاجة.ولا يُعدّ هذا خروجًا عن السيطرة على الذكاء الاصطناعي أو تركه يتصرّف بمطلق الحرية، حتى وإن كان على سبيل المحاكاة، إذ يظل تابعًا لمسيرة الإنسان، وبدون هذه المسيرة لا يمكن أن نستغني عن أي شيء.
لا ينبغي للمستعمل أن يتعامل مع الذكاء الاصطناعي بوصفه نظيرًا حقيقيًا للإنسان، بل من الأجدر أن يُنظر إليه باعتباره أداة خارقة للعادة أو وسيلة فائقة السرعة أو شبيهة بقدرات استثنائية، دون أن يرتقي إلى مرتبة الإنسان. فالخِلقة البشرية جاءت بالتكريم، وارتبطت بالتحصيل المعرفي الأسبق، مصداقًا لقوله تعالى: **﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾**. ومن ثمّ، فإن المنطلق العلمي المتسامي للإنسان، المخلوق بيدَي الله الكريمتين، يظلّ أعظم آية وأعقد معجزة في الخلق.ومن غير الممكن تصديق أن الآلة قادرة على الحلول في خلية بشرية واحدة، أو أن توازي التعقيد الحيوي في انقسام إنزيماتها مرات عديدة في اليوم الواحد؛ فهذا شأن جلل يتجاوز طاقة الاصطناع.
إن الخوف من الذكاء الاصطناعي لا يعتري إلا من يفتقرون إلى المعرفة العميقة، تلك المعرفة المؤسسة على الشواهد الكونية والآيات الربانية التي أُمر الإنسان بالتأمل فيها والتذكر عندها.
ومهما بلغت أهمية الذكاء الاصطناعي، فإنه لن يستطيع بلوغ منزلة العقل البشري، ذلك العقل الذي، قبل ظهور هذه التقنيات، كان يسافر بالخيال عبر القارات، ويتحاور مع الأموات والغابرين، ويتواصل مع العالمين، ويقطع المسافات في لحظات، بل ويعيش في المجرات كما يتراءى له في أحلامه ومناماته.إن الذكاء الاصطناعي، على تقدمه، لن يكون أسمى ولا أرقى من إنسان كرّمه الله وفضّله، وجعل له عينين، وهداه النجدين.