تأليف : ا.د حمام محمد زهير / استاذ الاعلام والاتصال والادب بجامعة الجلفة..الجزائر
الفصل الأول: المحيط العام لثقافة الشيخ
كان المحيط العام الذي نشأ فيه الشيخ عطية مسعودي الإدريسي الحسني محيطًا مشبعًا بالروح الدينية والتقاليد الصوفية، حيث لعبت الزوايا دورًا أساسيًا في تحفيظ القرآن وتعليم العلوم الشرعية واللغة العربية.
وكانت الجزائر آنذاك تحت نير الاستعمار الفرنسي الذي حاول طمس الهوية الدينية والثقافية، فكان للزوايا فضل كبير في حماية الإسلام والعربيةKعُرفت المنطقة بالعلماء والفقهاء والصلحاء، وتجلت مظاهر الثقافة في المخطوطات والرحلات الدينية التي اهتمت بوصف مكة والمدينة ومناسك الحج.
وكانت الكتابة ذات طابع شرعي وتعليمي وأخلاقي، فاختلط فيها التصوف بالفقه، واللغة بالأدب.
كما ساهمت الدولة العثمانية قبل الاحتلال الفرنسي في دعم هذه المؤسسات، مما جعلها حصنًا منيعًا في وجه الاضمحلال الثقافي.
الصحافة والكتابات
مع دخول الطباعة إلى الجزائر ظهرت الصحف، وكان أوّلها جريدة *المبشّر* سنة 1848م.
ثم تتابعت الصحف حتى بداية القرن العشرين، فساهمت في إدخال أساليب جديدة في الكتابة والتعبير.
ورغم ضعف الصحافة الإسلامية في بداياتها، إلا أنّ أقلامًا جزائرية تركت أثرًا واضحًا مثل سليمان الملياني، محمد السعيد البجاوي، وأحمد البدوي. وقد شكّلت هذه التجارب مقدمات أساسية لنهضة فكرية وروحية كان الشيخ عطية جزءًا منها.
حياة الشيخ عطية ومساره العلمي
اسمه الكامل: عطية بن مصطفى مسعودي الإدريسي الحسني، وُلد سنة 1900م بالجلالية.
حفظ القرآن صغيرًا على يد أخيه سي الهادي، ثم التحق بزاوية الشيخ عبد القادر الطاهري بالإدريسية حيث تعلم أصول الفقه والحديث واللغة.
تنقل في طلب العلم بين الزوايا والقبائل والعاصمة، ورحل إلى الزيتونة بتونس فنهل من علومها، جمع بين الفقه والتصوف والأدب، فكان موسوعة متنقلة، قوي الحافظة، واسع الاطلاع.
درّس وأفتى، وأشرف على تلاميذ كثر.
وقد جمع ابنه سي يحيى بعض فتاواه في الفقه المالكي. كما ألّف كتاب *آداب وسلوك* الذي ضم قصائد في الزهد والنصيحة والتهذيب.
شهادات العلماء فيه
شهد له الشيخ ابن باديس بعلوّ مكانته، واعتبره الشيخ مبارك الميلي من العلماء المصلحين. أما الشيخ مصطفى القاسمي فوصفه بـ”حافظ الأحاديث”.
وأشاد به الإمام محمد الغزالي الذي أوصى طلاب الفتوى بالرجوع إليه، كما أثنى عليه الشيخ متولي الشعراوي قائلاً: “هو أصل العلم“.
وعند وفاته قال الشيخ محمد بلكبير: “لقد مات ملك الزمان والعلم والتقى والورع، وخاتمة الصوفية الشيخ سي عطية”، وهي شهادة تحمل دلالة على عظمة الرجل ومقامه بين العلماء والصلحاء.
منهجه وفكره
كان الشيخ عطية صوفيًا على طريقة العلماء العاملين؛
ينهل من فكر أبي حامد الغزالي وابن عربي، لكنه يتحفظ على بعض التأويلات البعيدة.
يرى أنّ كتب الأدب تهذب النفس كما يهذب النحو اللسان. مارس الشعر الفصيح موزونًا مقفى، جمع فيه بين السجع والمطابقة، وتجلّت فيه روح المناجاة والتضرع،امتاز أسلوبه بالجزالة والبلاغة، ولم يكن منغلقًا على بيئته، بل كان منفتحًا على ثقافات المشرق والمغرب، متصلًا بالعلماء بالمراسلة والمجالسة.
كما كان حاضرًا في قضايا الأمة، مدافعًا عن الهوية الإسلامية والعربية في زمن محنة الاستعمار.
مواقفه الوطنية
عُيّن قاضيًا ومفتيًا من طرف جبهة التحرير الوطني خلال الثورة التحريرية، فكان صوته مسموعًا في قضايا الفتوى والعدل.
رفض المساومات، ولم يتنازل عن قول الحق، حتى صار مرجعًا للثوار والعلماء في آن واحد. وقد جمع بين العلم والجهاد، بين التربية الروحية والموقف الوطني، فكان نموذجًا للعالم المصلح المجاهد.
أثره وإرثه العلمي



