لرحاب الجزائر / لارا زيتوني
شهدت الجزائر منتصف أغسطس 2025 واحدة من أكثر الحوادث المأساوية في تاريخ النقل، حينما انزلقت حافلة وسقطت من جسر في منطقة وادي الحراش بالعاصمة، لتخلف وراءها ثمانية عشر قتيلاً وتسعة جرحى.
لم يكن الحادث مجرد مأساة عابرة، بل تحول إلى صرخة قوية كشفت هشاشة قطاع النقل العام في البلاد، ودفعت الحكومة إلى إعلان خطة إصلاح شاملة تستهدف إنقاذ هذا المرفق الحيوي.
يُعد النقل العام في الجزائر من أبرز الملفات التي أثارت استياء المواطنين خلال العقود الأخيرة، فرغم الجهود المبذولة ما يزال المشهد اليومي يعكس حافلات متهالكة تعود إلى عقود ماضية، وبنية تحتية متردية من طرقات وجسور تفتقر إلى الصيانة الدورية، وغياب الرقابة على الناقلين الخواص الذين يسيطرون على جزء كبير من السوق، إلى جانب ظروف عمل صعبة للسائقين تؤدي في كثير من الأحيان إلى إرهاقهم وارتكابهم أخطاء قاتلة.
هذه العوامل مجتمعة جعلت النقل العام مصدر قلق أكثر منه وسيلة لخدمة المواطن، وهو ما فجر الغضب الشعبي عقب حادث وادي الحراش.
في محاولة لامتصاص هذا الغضب، أعلنت الحكومة الجزائرية عن خطة لإعادة هيكلة القطاع، ترتكز على تجديد الأسطول الوطني للحافلات عبر إدخال مركبات حديثة أكثر أمانًا وصديقة للبيئة، وإصلاح البنية التحتية خاصة الجسور والطرقات التي تشهد اهتراءً واضحًا، وتشديد الرقابة على الناقلين الخواص بإلزامهم بمعايير صارمة في الصيانة والسلامة، مع إطلاق برامج تكوين للسائقين وتحسين ظروف عملهم، وإدخال الرقمنة من خلال أنظمة تتبع إلكتروني للحافلات والدفع الإلكتروني للمسافرين.
ورغم أن هذه الإجراءات تبدو واعدة، إلا أن السؤال الذي يطرحه الشارع الجزائري هو : هل ستبقى مجرد وعود على الورق أم ستتحول إلى واقع ملموس؟ النقل العام ليس مجرد خدمة تقنية، بل هو عنصر أساسي في الحياة اليومية للمواطنين، فالعامل يعتمد عليه للوصول إلى عمله، والطالب للوصول إلى جامعته، والأسرة لقضاء شؤونها.
تأخر الحافلات أو انعدامها لا يعني فقط إهدار الوقت، بل ينعكس مباشرة على الإنتاجية الاقتصادية ويزيد من الاحتقان الاجتماعي.
لطالما ارتبطت الإصلاحات في الجزائر بالتأخر في التنفيذ أو غياب الاستمرارية، وهو ما يجعل ملف النقل اختبارًا حقيقيًا لقدرة الدولة على ترجمة وعودها إلى إنجازات.
فإذا نجحت الخطة في إعادة الثقة للمواطن، فإنها ستشكل خطوة نحو تحسين نوعية الحياة، أما إذا بقيت في حدود التصريحات، فإنها ستضاف إلى سلسلة الوعود المؤجلة التي اعتاد عليها الجزائريون.
حادث وادي الحراش كان فاجعة أليمة، لكنه في الوقت ذاته شكل فرصة لإعادة فتح ملف ظلّ مؤجلًا طويلًا.
إصلاح النقل العام ليس ترفًا، بل ضرورة اجتماعية واقتصادية وأمنية، والمطلوب اليوم هو إرادة سياسية حقيقية تترجم الأقوال إلى أفعال، حتى لا تتكرر المآسي على الطرقات، ويجد المواطن الجزائري في النقل العام وسيلة أمان وكرامة لا مصدر خوف ومعاناة.






