رحاب الجزائر : أحمــد قــادري

لم تكن فاجعة الطفل أيوب ، الذي لقي حتفه بعد سقوطه داخل بئر ارتوازية بولاية البيض ، مجرد حادث مأساوي عابر، بل أعادت إلى الواجهة واحدة من القضايا التي ظلت لسنوات تشكل خطرا صامتا في عدد من المناطق ، تتمثل في انتشار الآبار المهجورة وغير الصالحة للاستعمال ، التي قد تتحول ، في غياب التأمين والردم والمراقبة ، إلى أفخاخ قاتلة لا تميز بين طفل أو راشد .
وفي أعقاب هذه الفاجعة التي هزت الرأي العام الجزائري ، شرعت السلطات المحلية بولاية الجلفة في عملية غلق الآبار الارتوازية غير الصالحة للاستعمال ، في خطوة تعكس تنامي الوعي بخطورة هذه المنشآت عندما تصبح مهملة أو غير مؤمنة.
وتكتسي العملية أهمية خاصة بالنظر إلى طبيعة الولاية واتساع رقعتها الجغرافية وارتباط عدد من النشاطات الفلاحية بمصادر المياه الجوفية.
وتطرح هذه الخطوة سؤالا أوسع من مجرد غلق بئر هنا أو ردم أخرى هناك : كم من بئر مهجورة ما تزال مفتوحة أو مغطاة بوسائل هشة دون إشارات تحذيرية أو سياج يحول دون الاقتراب منها؟
فالمشكلة لا تكمن في وجود الآبار بحد ذاتها ، وإنما في ترك الآبار غير المستعملة دون تأمين.
وقد أظهرت حادثة أيوب مدى خطورة هذه الوضعية ، بعدما سقط الطفل داخل بئر عميقة وضيقة ، لتتحول عملية الإنقاذ إلى سباق مع الزمن ، وسط صعوبات تقنية وميدانية بالغة التعقيد.
إن غلق الآبار غير الصالحة للاستعمال ينبغي ألا يُنظر إليه باعتباره إجراءً ظرفيا فرضته صدمة حادثة مؤلمة ، بل كجزء من سياسة دائمة للوقاية وحماية الأرواح. فالردم الآمن للآبار المهجورة ، وإحصاؤها ، ومراقبة وضعيتها ، وإلزام أصحابها بتأمينها ، كلها إجراءات يمكن أن تمنع وقوع المأساة قبل حدوثها.
كما أن مسؤولية الوقاية لا تقع على عاتق جهة واحدة فقط.
فالسلطات المحلية مطالبة بإحصاء النقاط الخطرة والتدخل بشأنها ، وأصحاب الآبار مطالبون بتأمين ممتلكاتهم وفق شروط السلامة ، فيما يبقى وعي المواطنين ، وخاصة الأسر القاطنة بالقرب من المناطق الفلاحية والريفية ، عاملا أساسياً في حماية الأطفال من هذه المخاطر.
لقد كشفت مأساة أيوب أن البئر غير المؤمنة ليست مجرد حفرة في الأرض ، وإنما خطر كامن قد لا يُكتشف إلا بعد فوات الأوان.
ومن هنا ، فإن عملية غلق الآبار المهجورة في الجلفة يجب أن تكون بداية لعمل أوسع يشمل مختلف المناطق ، حتى لا تتحول الذاكرة الجماعية مرة أخرى إلى مأساة جديدة ، وحتى لا يصبح السؤال بعد كل حادث: لماذا لم تُغلق البئر قبل أن يسقط فيها أحد؟
فالمطلوب اليوم ليس فقط أن نغلق الآبار بعد وقوع الكارثة ، وإنما أن نغلق أبواب الخطر قبل أن تفتح على مأساة جديدة.
أيوب رحل، لكن رسالته يجب ألا ترحل معه : الوقاية تبدأ من ردم الخطر قبل أن يبتلع حياة أخرى.




