مقال الرأي للكاتب والقاص سعيد فتاحين

يقول العقّاد: “أفكاري ليست مروحة للكسالى” حين تحدّث العقّاد عن فكرة الغموض في نصّه ؛ كان يقصد عمق المعنى الذي يؤدي إلى خلق هالة من التّوتر والحيرة لدى المتلقّي ؛ فيسعى بكل كد وجدٍ للبحث عن كنهات هذا النص ، والأمر هنا لايتعلّق بإحراج المتلقّي؛ بل يهدف إلى تحريك لذّة النص في الذات القارئة ؛ حتى تفهم أغوار الكاتب وتلج لمكنونات نصّه العميق بأفكاره ؛ فيتم بشكل تلقائي غربلة المتلقّي البسيط ؛ عن المتلقّي الضمني الذي كتب له وإليه العقّاد.
أما مانراه في السّاحة الأدبية اليوم؛ هو إجحاف حقيقي في حقّ اللغة الأم؛ حينما يهتم الأديب بفكرته على حساب اللّفظة التي لم يعد يلقي لها بالا؛ فأصبحنا نجد كتابات كثيرة يتفاخر بها أصحابها؛ ظنا منهم أن أفكارهم سامية وراقية إلى حد ٍ بعيد؛ ولكنّه لايكترث لذاك المتلقّي الذي لايقرأ لكي يفهم فقط ، بل لكي يدرّب لسانه العربي الأصيل على الفصاحة والبلاغة ربما؛ أكيد أن لغة القرآن الكريم لا أحد يرقى لمستواها؛ لأنّ الله تحدّانا فيها بقوله «فأتوا بسورة من مثله». ولكّن على الأقل القاريء لايطالب بسهولة المعنى؛ لأنه هناك قُرّاء يميلون بالفطرة للنصوص الغامضة التي تستهوي ذائقتهم الأدبية ، وتفتح شهيّتهم على التّلقي، ولكنّه من حقّه عليك أيُّها الكاتب وله كلُّ الحقّ في ذلك أن تحترمه ؛ حينما تقدّم له النّص الأدبي بحلّته الراقية ؛ بلفظته الأنيقة الواضحة؛ فكيف لنصٍ حداثي أن يتحوّل بسبب اللّغة الهجينة والركيكة بسبب كثرة الأخطاء الإملائية؛ وغياب الهيكل والحلّة اللائقة بالعمل الأدبي، أن يتحوّل إلى نصٍ قديم من حيث الغموض اللّفظي ؛ لا المعنى ، وهذا عيب كبير فحينما نقارن نصا مثلا شعريا قديما أو نثريا تكون الصُّعوبة على صعيد معنى اللّفظة بسبب التّغيُّر الدلالي فقط، ولكِن من حيث المبنى تجدها سليمة ومصاغة بشكل راقي جدا ؛ رغم أنّ كاتبها لم يقرأ في المدارس يوما ولم يلمس شاشة إلكترونية!!.
كلّ مانتمناه من الأديب اليوم أن يسعى لترقية لُغته الأدبية ، والحرس على توظيف اللّفظة بحلّتها الصحيحة ؛ لأنّ أي تغيّرٍ في المبنى يُؤدّي إلى تغيُّرٍ في المعنى ، وهذا إجحاف تام في حق الكاتب والمتلقّي على حد سواء، وربّما لهذا السبب تمّ تهميش عديد الأعمال الأدبية من طرف المتلقّي ، بل هذا أكيد .
في الوقت الذي يمكن معالجة هذا الخلل البسيط ؛ بأن يشتغل الأديب على نصّه قليلا ويخصّص وقتا لتطوير نفسه في النحو والصرف، والبلاغة ، عبر قراءة نصوص وكتب تشرح وتبسّط اللُّغة له؛ بدل من أن يُضيّع جُلّ وقته في الجري وراء الندوات والملتقيات ، وقراءة روايات عالمية؛ الفرق بينها وبين كتاباته في كثير من الأحيان هي ” اللِّغة السليمة” فقط!!.


