رحلت عن السلطة أيها الرئيس السابق “بوتفليقة” و تركت بلدا غارقا في الفساد و في مرحلة مملؤة بالشك و الضبابية، رحلت بعدما ترك لك الرئيس السابق “اليامين زروال” بلدا به مؤسسات منتخبة بعد عشرية سوداء مليئة بالدم و الخراب في شتى المجالات، لتساعدك الظروف و الطبيعة و الأحداث الجيوسياسية أثناء حكمك، حيث ارتفع سعر البترول ووصل في عهدك إلى ما أكثر من 100 دولار للبرميل بعدما كان سعره في عهد زروال 9 دولار.
و تقوم بتعديل الدستور ثلاث مرات لكي لا تكون ثلاثة أرباع رئيس التي ما عييت تُرددها في كل خطاب.
و أصبحت أكثر من رئيس.
فماذا فعلت؟ و ماذا قدمت للجزائر؟
فتحت لجان وورشات لإصلاح العدالة المعروفة بلجنة “بن زاغوا” و ماذا تحقق منها، سوى خروج قضاتها مع الحراك الشعبي لينددوا بالتضييق و العراقيل التي تمنعهم من ممارسة مهامهم.
و لجنة لإصلاح التربية التي بقيت تتراوح مكانها بعد عشرين سنة و لا تكاد تمر سنة دراسية دون اضرابات و اضطرابات، قطاع لم يعرف الاستقرار طول مكوثك في الحكم.
ثم ماذا تحقق من اصلاح التعليم العالي الذي فرض مسؤولوه نظاما يسمى LMD مثلما فُرض نظام التعليم الأساسي أيام الثمانينيات في عهد الرئيس الراحل “الشاذلي بن جديد” و قد حذر المختصون في ذلك الوقت من هذا النظام، و لكن تعنُت النظام فرضه بالقوة، ليكتشفوا بعد عشرين سنة أنه غير مجد.
و لكن بعد ماذا؟ نفس الطرح بفرض هذا نظام LMD في الجامعة و الحقيقة هو البحث عن الأرقام كم من دكتور و كم من متحصل على شهادة الماستر.
يعني التباهي بالأرقام، مثل الباكالوريا التي فقدت قيمتها الحقيقية، و الحديث يطول في هذا المجال.
كذلك ما هي حصيلة قطاع الفلاحة و الملايير التي صرفها الوزير السابق “سعيد بركات” حول مشروعه لتطوير الفلاحة و كان يتنقل من ولاية لأخرى.
الحقيقة لا شيء يوحي لنا بنتائج مجدية، لحد الساعة ما زلنا نستورد القمح و الحليب…. و الشيء الذي سمعنا به هو سطو أناس لا علاقة لهم بالفلاحة و تحصلوا على ألاف الهكتارات و الدعم الفلاحي و القروض، و الكل يعرف قضية 3000 مليار المتعلقة بالسهوب و المشتبه في تورطها الأمين العام السابق لحزب جبهت التحرير الوطني “عمار سعيداني” القاطن” بفرنسا و قد كتبت الصحافة عن هذا الملف و حتى هناك المطالبة بفتح تحقيق حوله.
الملف الصناعي حاضرا بقوة في عهدك يأيها الرئيس السابق، و خاصة ملف مصانع تركيب السيارات -عفوا نفخ العجلات- الذي استفادت منه الأوليغارشية التي ظهرت في عهدك و أوعزت الملف “لبوشوارب” صاحب الجنسية الفرنسية و الذي حطم القطاع الذي هو محطم أصلا بل أكمل على ما تبقى.
أين هو “بوشوارب” و الوزير الأول الأسبق “سلال” حيث يجب مساءلتهما حول هذا الملف.
فكيف يستفيد هؤلاء من الاعفاءات الجمركية و الضرائب و القروض و العقار الصناعي، ليتعدى سعر السيارة أضعافا مضاعفة مما كانت عليه أيام الاستيراد؟ حتى الطفل الصغير و العجوز الطاعنة في السن لا يستسيغانها.
ماذا قدمت للجزائر أيها الرئيس، بعد أبع عهدات متتالية؟ تصّحر في الساحة السياسية، و خلق معارضة هجينة لا تستطيع حتى أن تملئ قاعة حفلات بمنضاليها إذا كان لها، و ذلك لفقدانها التصور و الطرح السياسي و على العموم أغلبها تدور في فلك النظام أو أن النظام هو من صنعها، و بالتالي هجرت الشخصيات السياسية المشهد السياسي لانعدام نية حقيقة في عهدك ببناء دولة ديمقراطية تؤمن بالتداول على السلطة و على النقاش السياسي الجاد.
و النتيجة، وجد الشعب نفسه لوحده معارضا لك و لنظامك و شعاره “ترحوا قاع” و لم يرضى بمن يتكلم باسمه.
ثم أي إعلام تركته أيها الرئيس السابق، و ضعت أردء المسؤولين على المؤسسات الإعلامية العمومية، لينتجوا رداءة في الإنتاج و ضعف المساهمة في توجيه الرأي العام بتقديم خدمة عمومية للمجتمع.
و فتحت المجال السمعي البصري الذي هو أعرج لحد الساعة، لا وجود لقنوات معتمدة بشكل صحيح، مجرد مكاتب وفق القانون لكنها تعمل على اساس قنوات تلفزيونية، و سلطة الضبط السمعي البصري لا وجود لها في الواقع، حتى التعينات كانت تعينات حسب الولاءات و ” المعرفة” حتى لا أتحدث عن سلطة ضبط الصحافة المكتوبة، و عدد كبير من المواقع و الجرائد الالكترونية تعمل في فوضى عارمة لا يوجد لها تأطير قانوني.
عشرون سنة انقضت لأربع عهدات و حصيلتك ايها الرئيس السابق “بوتفليقة” بقيت كلها مشاريع لم تكتمل بعد، و لا وضوح لها، بل انتجت أوليغارشية تحكمت في مقاليد النظام و في كل المؤسسات، و فساد ضرب كل القطاعات و توظيف العائلي في المؤسسات بعيد عن الشهادات و تهميش الكفاءات في شتى المجالات.
لنصل في الأخير إلى نقطة البداية و كأن شيئا لم يتحرك باستثناء افراغ الخزينة العمومية و العودة إلى المرحلة الانتقالية.
و لا أتكلم على قطاعات أخرى كالنقل و الأشغال العمومية، و الثقافة، و الري، التي تحول حولها شبهات الفساد طيلة حكمك.
ثم كم من حكومة مرت في حكمك تقريبا بمعدل حكومة كل سنة أو سنتين و وصلت إلى ثلاثة أشهر في حكومة “تبون“.
هل مرة سمعنا بمحاكمة وزير أو وزير أول في عهدك؟ أكيد لا بل عندما يغيّر وزير بآخر يتقلد الوزير المتنحي مباشرة منصب سيناتور في مجلس الأمة هذا المجلس الذي لا ينتج شيئا سوى عالة على الخزينة العمومية.
ماذا فعلت لك الجزائر ايها الرئيس السابق حتى أوصلتها إلى مرحلة الهوان و كأنك تنتقم منها؟ و في الأخير عند استقالتك تحت ضغط الحراك الشعبي، طلبت في رسالتك العفو و السماح من الجزائريين.
و لكن بعد ماذا؟


