بقلم /الدكتور أحمد مونيس /أستاذ الفلسفة السياسية المعاصرة جامعة بليدة 2
اتفق فلاسفة الأنوار والحداثة بأن الدولة الحقيقية الحاملة لجميع معاني العدالة والقانون والحق هي أرقى صور الوجود وغاية كل تجمع ومجتمع.
في معالجته للدولة وسؤال السياسة اعتمد كانط على مجموعة من السياقات وصولا إلى سياق جامع مؤسس على الجانب التاريخي والقانوني بمصطلحي (الحتمية والتقدم).
والمفهوم منها رؤيته في وجود ضرورة تأريخية تحكمها الطبيعة او القدر او العناية، وعلى الإنسان أن يتلاءم معها من اجل تحقيق تقدمه، فدولته الحقة تتأسس من جانبين.
ـــ الاندماج مع الطبيعة
ـــ لا انفصال بين السياسة والأخلاق
السياسة الحقة هي التي تسمح بتحقيق سلطة حقيقية عادلة قائمة على القانون والمساواة.
أما الأخلاق فهي الخاصية التي تكون من جانب المجتمع المدني والتي تسمح لكافة شرائح المجتمع في الانخراط في تأسيس دولتهم من جانب أخلاقي قبل أن يكون قانوني، ما يحيلنا إلى قضية شهيرة عند كانط وأقصد سؤال الواجب.
إن ما يعاب على دول كثيرة في العالم خاصة منها العربية هي فقدانها لهذه الخاصيتين السابقتا الذكر، تجد رجل الدولة لا يتحلى بمؤهلات السياسة والتي تسمح له بتكوين رؤية ورصيد قانوني مرن ذو طابع ديالكتيكي يفهم حاجيات رعيته دون الإفصاح عنها من قبلهم وهذا ما دعى عليه أفلاطون سابقا في المدينة اليونانية.
وفي نفس السياق تجد الفرد من أفراد المجتمع المدني لا يتحلى بالأخلاق الكافية التي تسمح له بان يكون خلية أو نواة داخل جسد الدولة.
هذه الهشاشة من قبل المكونين لن تسمح بقيام دولة ناجحة شأن الدول العظمى ولو أنفقت الملايير وشيدت الأبراج.
فالتغيير الحقيقي هو داخلى وشفاء العليل ينطلق من الداخل لا الترقيع من الخارج وهو ما فعلته السلطة في زمن بوتفليقة.
إن المجتمع المدني المتماسك القوي هو الذي يسمح بتأدية السلطة لوظيفتها بمرونة وسلاسة ومعونة من قبله ولا يسمح لوصول غير السياسيين الحقيقيين الذين تتوافر فيهم شروط السياسة كما أشرنا سابقا من قانون وعدالة.
لقد دعى فلاسفة مدرسة فرانكفوت بأطوارها الثلاث إلى الاهتمام “أدورنو وهوركهايمر ” ثم “هابرماس” ثم “أكسل هونيث” إلى معالجة مواضيع أساسا تخدم المجتمع المدني إيمانا منهم بأن الدولة الحقيقية لا تتأسس إلا من خلال التواصل والاعتراف والتضامن والحق وكذا الحب.
إن التضامن الذي دعى إليه أكسل هونيث هو ما يفتقره المجتمع الجزائري في ظل أزمة كورونا.
التضامن والتكافل هما المصطلحين الذين يتوافران في المجتمع المدني من إعانات مالية لصالح أفراد المجتمع الأكثر فقرا ولصالح الدولة كي تتجاوز محنتها، والذي شهدناه في المجتمع الصيني تضامن حقيقي نهجه الممثل الشهير “جاكي شان” حينما صرح بأنه سيدفع 2مليون دولار لمن يبتكر اللقاح.
تضامن كذلك شاهدناه مع الملياردير مؤسس موقع “علي بابا” حينما ابتكر تقنية خصة تسمح بمراقبة المرضى بفريق بحث مدفوع التكاليف من قبله.
والحق الذي دعى إليه “هونيث“هو ما يفتقره أغلب قضاتنا وسياسينا كي نخلص لسياسة سياسوية حقيقية تسمح بانسجام المجتمع المدني مع دولته.
مصطلحات كذلك تأسس عليها المجتمع الأمريكي من قبل فلاسفة إجتماعيون انطلقوا من الكشف عن العائق أمام الدولة الحقيقية والمتمثل في خدمة المواطن ونقائصه.
لقد دعى ريتشارد رورتي إلى توفير العدالة كولاء في حين دعى جون راولز إلى توفير ما يسمى بالعدالة كإنصاف، لا يمكن ترسيخ العلاقة بين الجانبية(مجتمع مدني وسلطة) إلا من خلال ترسيخ قيم العدالة وضوابط القانون ومفاهيم الاعتراف والحق والحب والتواصل.
إن المجتمع الجزائري في ظل الظروف الراهنة خاصة المستجدة منها: أزمة النفط وفيروس كورونا مدعو إلى توفير وغرس كل القيم التي أشرنا إليها سابقا، فلا دولة من دون مجتمع مدني حقيقي ولا مجتمع مدني من دون دولة حقيقية.


