من باريس بلقلم الدكنور / الصحفي عبد القادر قطشة
أثناء الحرب الباردة، كانت الولايات المتحدة الأمريكية وحلفاؤها يفكرون في نظام عالمي جديد بعد الحرب.
ولكن ليس النظام العالمي الجديد الذي دعت إليه الجزائر في مؤتمر عدم الانحياز في سبعينيات القرن الماضي على لسان الرئيس هواري بومدين، والذي يدعو إلى تكافؤ الفرص بين الشمال والجنوب بل بالعكس.
النظام الذي سعت إليه الدول الكبرى والذي بدأت ملامحه تبرز مباشرة بعد ما يسمى بأحداث الحادي عشر سبتمبر سنة 2001 – سيناريو يراه الكثير من المحللين السياسيين والاستراتيجيين – والذي كان الدافع القوي لفرض الهيمنة الليبرالية المتوحشة باسم الحرب على الإرهاب، و نشر القواعد العسكرية في ربوع العالم.
بالعودة إلى الوراء، وأثناء الحرب الأهلية الأفغانية، التي كانت في البداية حربا تحريرية ضد التواجد السوفياتي الذي دخل البلاد لمساعدة حليفه الماركسي في الحكم.
خلال الأشهر ال18 الأولى من الحكم، قام حزب الشعب الديمقراطي الأفغاني بتطبيق برنامج ماركسي الأسلوب في الإصلاح.
وصدرت مراسيم طالبت بتعديلات في عادات الزواج وإصلاح الأراضي لم تلق إعجابًا من قبل السكان المنغمسين في التقاليد، وشديدي الارتباط بالإسلام. فاضطهد آلاف من النخبة التقليدية، المؤسسات الدينية والطبقة المثقفة.
وانتشرت الحرب الأهلية سنة 1979 بعدما أطلق نائب رئيس الوزراء “حفظ أمين” النار على رئيسه “تاراكي” أدى إلى مقتله.
أدى هذا إلى عدم الاستقرار في البلاد، وكان من أسباب التدخل السوفياتي للمحافظة على النظام الماركسي.
الشيء الذي استغلته أمريكا برئاسة “جيمي كارتر” بحملة دعائية ضد ديكتاتورية نظام “برجنيف” للسيطرة على أفغانستان.
وبدأ التيار الإسلامي يتحد من أجل “الجهاد” وإخراج المستعمر الروسي، من جهة مجموعة “حكمتيار” المدعمة من الباكستان، ومجموعة “الشاه مسعود” المدعمة من الهند وبعض الدول العربية وأمريكا ودول أوروبا من جهة أخرى.
ملاحظة، كانت أفغانستان بين سنة 1960 إلى غاية 1971 بلدا ديمقراطيا في ظل الحكم الملكي، حيث المرأة تعمل وتدرس و لها نفس حقوق الرجل، توجد بها قاعات السينما، و النوادي الثقافية…
بقي الروس مدة عشر سنوات في حرب أنهكتها، واستغلتها الولايات المتحدة بدعمها للتيارات الدينية، وكان المستشار الأمني للبيت الأبيض الأمريكي آنذاك قد توجه بخطاب يحث فيه “المجاهدين الأفغان في حربهم ضد العدو وأن الله معهم وأمريكا والحق معهم”؟؟؟ لكن الغرض الحقيقي هو إنهاك الاتحاد السوفياتي.
وحط التنظيم الارهابي “القاعدة” بقيادة “أسامة بن لدن” رحاله في أفغانستان وفتح الباب للجهاديين العرب وبتمويلهم ماديا.
خرج الروس من أفغانستان منهكا آواخر سنة 1988، مع وصول الرئيس الروسي “غورباتشوف“، وإعلانه لإصلاحات سياسية اقتصادية كانت بداية انهيار الاتحاد السوفياتي.
لقد حققت أمريكا أولى المحطات، ثم تلتها محطات أخرى لما أصبحت الطريق معبدة لها، مثل الحرب على العراق وتحطيمها. ثم دخولها أفغانستان بحجة الحرب على الإرهاب، وزرع القواعد العسكرية…
هذه المحطات وأخرى من الحروب والإرهاب وبروز تنظيمات إرهابية، بإعلانها “الجهاد في سبيل الله”، الربيع العربي أو الثورات العربية كما يسميها الغرب والتي عبارة عن حروب أهلية يتقاتل العرب فيما بينهم والغرب يتفرج ويتدخل باسم المنظمات الدولية كحقوق الانسان، ونشر الديمقراطية، وغيرها…
الحقيقة هي أن الحكام الحقيقيون للعالم هم الشركات متعددة الجنسية، وهذا هو “فخ العولمة” الذي حذر منه بعض المفكرين، حيث تؤيد وتدعم هذه الشركات مترشحين معينين للسلطة، الرئاسة كانت أو مجالس النواب وغيرها، وهي تتحكم في المال. فمثلا بعد 11 ديسمبر 2001 ظهر المحافظون الجدد في أمريكا الذين يسيطرون على سلطة المال، كذلك في دول أوروبية. همهم الوحيد المال.
والمعروف أن صناعة الحروب تنعش صناعة الأسلحة، وصناعة الأمراض تنعش الصناعات الصيدلانية، وهما من أكبر الصناعات مداخيلا.
مثلا فرنسا في ظل الأزمة الصحية الحالية، وجدت نفسها عاجزة عن توفير الكمامات الصحية، لأنه ببساطة كل الشركات الكبرى لا توجد على الأراضي الأوروبية أو الأمريكية، بل أغلبها توجد في الصين وفي آسيا بصفة عامة. لماذا؟ لأن الشركات المتعددة الجنسية تستثمر في الدول ذات الدخل الضعيف للفرد، لتجني أرباحا مضاعفة مقارنة استثمارها في أوروبا أو أمريكا.
وهنا قال الرئيس الفرنسي يجب إعادة النظرفي هذا. الملاحظة نفسها في أمريكا، فهذا من أسباب العولمة.
وقد حدث الشيء نفسه في الجزائر لما بدأت حكومة “أويحي” في غلق المصانع والمؤسسات العمومية في التسعينيات وفي بداية الألفنيات في حكومات الرئيس بوتفليقة. وتمّ بيعها بالدينار الرمزي، وفُتح المجال للمستوردين الخواص الذين جلبوا “الخردة” إلى الجزائر وقضوا على الصناعة وعلى اليد العاملة، وأنهكوا الخزينة العمومية. ووجدت الجزائر نفسها رهينة استيراد كل شيء.
فهل أزمة الفيروس كورونا ستغير النظام العالمي الجديد؟ وهل الجزائر ستستفيق من سباتها وتعيد النظر في منظومتها الصحية والعلمية والاقتصادية؟؟؟


