بقلم / الدكتور الصحفي عبد القادر قطشة من (باريس )
الخرجة الأخيرة لرئيس الجمهورية عبد المجيد تبون عن طريق الناطق الرسمي للرئاسة، “بأن زمن التعليمات والتوجيهات قد ولى”، أثلجت صدر الكثير من الجزائريين خاصة الإطارات التي تم تهميشها في عهد الرئيس المخلوع.
فهذه المبادرة هي تكملة لنزع كلمة الفخامة من قاموس الإشارة إلى الرئيس.
فقد أدرك الرئيس جيدا أن من يردد كلمات التعليمات والتوجيهات من المسؤولين، كأن المغزى منه هو أن لا أحد يمكن أن ينتقد أو يعارض أي مشروع، وبالتالي فشل أي مشروع يتحمله الرئيس لأن الفعل مبني على التعليمات والتوجيهات.
والكل لاحظ العشرين سنة الفارطة التي حكم فيها بوتفليقة، كان يردد فيها المسؤولون “تحت الرعاية السامية لفخامته، حسب تعليمات فخامته، حسب توجيهاته”… إلخ وفي النهاية، عشرون سنة مضت تحت ما يعادل 21 حكومة، كلها كانت تردد حسب تعليمات وتوجيهات فخامة الرئيس، والنتيجة الفشل الذريع في المشاريع، وأغلب القطاعات حتى لا أقول كلها.
وقد فعل الرئيس جيدا برفضه عمل المسؤولين بهذه الطريقة، وبالتالي كل مسؤول يتحمل مسؤولياته، ويحاسب عليها.
لكن “الشياتين” الذين كانوا طيلة العشرين سنة الماضية، لم يهدأ لهم بال، فهم ينتظرون الضوء الأخضر بتقديم خدمتهم في “الشية“، وهم متربصون متى سنحت لهم الفرصة.
فالأمر بالنسبة لهم عمل وابداع.
وما بقاء الرئيس السابق المجبر على الاستقالة مدة عقدين من الزمن خرق أثناءها الدستور سنة 2008 وفتح لنفسه ولايات جديدة، كان بواسطة هؤلاء.
وكمتتبع للشأن الوطني أنداك أتذكر أحد رؤساء الحكومة في عهده، مصرحا ومبررا تعديل الدستور والسماح لبوتفليقة الترشح لولاية ثالثة هو مقارنة بدول متطورة فلا توجد بها تحديد العهدات الرئاسية مثل فرنسا آنذاك (ولكن عُدّل الدستور الفرنسي في جويلية 2008 وحدد الفترة الرئاسية بعهدتين) وقارن بألمانيا، – رغم أنها فيدرالية والرئيس الألماني ينتخب في البرلمان لعهدة واحدة مدتها خمس سنوات ويكون شخصية شرفية-، وكان يقصد رئيس الحكومة الذي يسمى المستشار الألماني، الذي يزكيه البرلمان الألماني لقيادة الحكومة وله صلاحيات واسعة-.
والسؤال الذي يطرح هو لماذا لم يقارن بالنظام الأمريكي وهي دولة عظمى، لا يحق للرئيس المنتخب الترشح لولاية ثالثة ومدة كل ولاية أربع سنوات؟
ننتقل إلى فكرة أخرى ونعطي لامحة على الذكاء الرقمي، الذي تستخدمه دولتان هما الصين وإسرائيل، حيث تمتلكان تكنولوجيا عالية في هذا المجال وتتحكمان فيها، والغرض في استخدامها حسبهما هو محاربة الإرهاب.
وقوة الرئيس الصيني Xi Jinpingالتحكم في بلاده وشعبه هوعن طريق استخدام هذا الذكاء الاصطناعي، كالمراقبة عن طريق الملامح في كل الصين control facial أو controlling facial فمثلا هي تملك أكثر من 600 مليون كاميرا مراقبة، بمعنى كل كاميرا مراقبة لشخصين.
وهنا طرحت العديد من المنظمات الحقوقية مشكلة الحريات العامة خاصة Human Rights Watchوبالطبع إسرائيل لمراقبة العرب خاصة في القدس.
وهذا موضوع يطيل شرحه.
إذا كان زبانية النظام الصيني جعلوا من الصين قوة اقتصادية وتكنولوجيا عظمى، وزبانية إسرائيل جعلوا منها دولة تكنولوجية بامتياز، وأذكر هنا بتصريح أحد المسؤولين الإسرائيليين، “أن تحكمنا واعتمادنا على تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي، لأننا ببساطة محاطين ب 360 مليون عربي، لهذا حماية إسرائيل هدف عظيم لنا.”
لكن زبانية النظام السابق في عهد الرئيس المخلوع، استطاعوا أن يطوروا تكنولوجية “الشية” فأصبحت “رقمية ذكية” حتى لا يمكن لأحد أن يضاهيهم، واستطاعوا أن يتقلدوا المناصب النوعية – رغم أن الكثير منهم لا يحمل شهادات تناسب المنصب، ولا كفاءات يمكن أن تقدم شيئا إيجابيا – كما استطاعوا أن يُحيدوا الإطارات والكفاءات بالوشاية الكاذبة بهم، وخلق لهم ذرائع والمكائد واتهامهم بالباطل،… وبالتالي أجبروهم على التنحي والتهميش وأشياء أخرى…
وللتذكير، لما سقط بوتفليقة، وخرج من الباب الضيق، وسُجنت أغلب الإطارات والمسؤولين الذين عملوا معه عن قرب في قضايا فساد.
ماذا كان دفاعهم؟ “هو أنهم كانوا يعملون تحت توجيهات وتعليمات الرئيس بوتفليقة“.
الكل تنصّل منه وحملّه المسؤولية هو وأخيه المستشار القوي أنداك.
لكن يبدو أن الرئيس تبون، لا يريد هؤلاء الزبانية وهذه “الشية” التي هي وسيلة لتقرب أصحاب المصالح والمنافع الضيقة، والتي لا تخدم البلاد في شيء.
وبالتالي قطع الطريق عنهم من بداية المشوار.
وجملة “زمن التوجيهات والتعليمات” قد ولَّى، يعني كل مسؤول يحاسب عن المكان الذي هو فيه.


