الناقد الدكتور / حمام محمد زهير
ثلاث مقاطع، تختصر مسافات متباعدة في الزمن، والمكان، تبحر بالقارئ ، بعيدا، مثله مثل الواقف في قارب وقد غشييه الضباب فظن من بعيد عروس بحر تائه اسمها.)عين( تبحث عن )ليل(، غير بعيد عن الصورة ،جالت بخاطري كما بناظري، جملة رومانسية قالها : )براندي سايند ا( بالنسبة للعالم ، فإنك مجرد شخص ، لكنك بالنسبة لشخص ما، قد تكون العالم كله،.
انطلقت الشاعرة فاطمة داودي من تصوير شخص في شكل عالم قائم بذاته ،وقد نبهنا مقطعها الأول في العالم كما رآه حنا مينا من ثقوب هواء ادخل عينه وبدأ ينظر إلى عالم كبير،.
جسد )رؤية العالم( لكنها في واقع العالم هو عين حنامينة من ثقوب الهواء..في قفلجة الواقع الموبوء،حيث تندس العظمة داخل أصوار لاتتحرك فيها جثث، نحو اختراقه، قبل أن تموت سباتا، تحمل الشاعرة فاطمة الدوادي في جعبتها معجمية دالة دلالة الوضوح على تشبعها من الثقافة الفكرية لعاصمة الزيتونة في سياقاتها التاريخية فهي قد اغترفت غرفتها الأولى من تونس، وها نحن نحاكي مقاطها الثلاث ذات بملكة لغوية محبكة..
- تحريك الجامد المعتل..
تقول: الشاعرة فاطمة الداودي:يدخل غرفة الكلمات
غبار منتشر على سقف ذاكرته
عيونها شاحبة معلقة نحو شمعدان
يرقات في كفيه تحلق كوكبا صغيرا
مسكونة ماء تسبح في محيط أفكاره
سايرت الشاعرة حركية تفعيل الدراما، في المقطع الأول، بإعطاء تفاصيل، جديدة، وإدخال بعض الأحداث، التي تنتمي إلى عالمها الدرامي، فالراوي، الذي تماوحت خطاه، ماهو إلا وجه لحركة ، درامية ستشعل أوارها مباشرة بعدما ، تستنطق الشاعرة نفسها بحركة وجوم يعني، سكتت لسانا ولكن بحر تفكيرها كان يسبق الدراما ، لان ما حصل بين المنظر الاول للداخل بخطى متثاقلة، ينذر بتواصل الفعل الدرامي .
لاشك أن الاكسسورات الدرامية التي وضعتها الشاعرة في مدى تحرك الداخل إلى غرفة، مليئة بالمظاهر الدرامية تثير الحزن والكآبة ومنها، الغبار المنتشر على السقف، وكلها تورية ومقصدية عن أحزان مرت بها ذاكرة الشاعرة، إضافة الى العيون الشاحبة، كما يظهر ف يالمقطع اعلاه .
إذن نرى تعلق الامر بوصف لمأساة، غالبا ما تستعمل قيما إخبارية سلبية ، كالتي وضحناها قبل قليل،.
لو نحاول أن نفكك البنية الرمزية في المقطع الأول نجد ان الشاعرة تكلمت على غرار ما تكلم به القدامى،إن شعريتها قوية ، وليست بسيطة على الإطلاق، ربما القارئ يريد إن يستفسر عن سر التعقيد في رسم ابيات المقطع
نستطيع إن نقول إن العقدة المحبكة في المقطع الأولى هي نقطة أثارت بؤسا دراميا ، منذ بداية البيت الأولى الذي تمثل لنا بشرا ، يدخل بدون إرادته وكأنه مدفوعا للدخول إلى غرفة ، شاب سطحها فوجد فيها عيون شاحية شاخصة، والشمعدان في كينونتها صفة لحرق مسافة النور إلى الحدث، فإذا أقحمنا التفكير الفلسفي، نشتم رائحة تفكير فلسفة، وكان أزمة الهوية تطال عمق الشاعرة بالبحث عن مكنوناتها
ان الداخل إلى غرفة الذاكرة ، هو ذلك المكتبي صاحب المعاناة والكثير من العناوين المثارة في واقعيته ، فالذاكرة القوية بالمعارف ، سواء تناولت كل الأنواع الأدبية تبقى ذاكرة أدبية وقد يشوب سقوفها الغبار ككناية على عدم القراءة، وهيه مسالة ثانية في هوية التفكير والقرابة ، فمدام أنها استعملت الذاكرة وتوا، استعملت غرفة الكلمات ، الكم هنا يقتصر على الثقافات باتا عديديا وإلا لما وصفت المحتوى بغرفة الكلمات
مما يبرز امتلاكها لتفكير فلسفي استشرافي قوي، من خلال طرحها لسؤال الفلسفة لان الشكلانين الروس فرضوا منطق سؤال الفلسفة كشكل جمالي يزيد النص الشعري تعقيدا ووضوحا.
- تغريده الحزن ورسمة القلب فيع خنجر
قالت الشاعرة فاطمة داودي
حلمه مغادرة الحاضر
من زقاق وشارع وممر يؤدي إليه
يلقي جسده زاوية مكسورة
محدثا ثقبا في رئتيه……..يتنفس
سعالا وسط الركام
هل تحسين أيتها اليرقات ببرودة
كما أنا أحسها وحيدا
عيوني مزروعة سكاكين
الراحة لا تكفي
بعيدا عن جثة الكيان
يسقط كوكب من قلبي
لاشيء في الحياة ،يعطى لنا هكذا دون حكمة،فقد نندم في لحظة، عن شيء فعل فينا المفاعيل، ونقول ان وجوده أحسن من استلاب غربة وحيدة، بهذا الجوهرة الكلامية ، انتهت بطل رواية ie Verwandlung) d لروائي كافكا ، تحول كافكا الى تفعيل دور) جريجوار( العامل البسيط الذي تحول في ذاتيته الإنسانية، إلى حشرة ضخمة في نهاية القرن الماضي .
كذلك هم أناس في غيهب الشاعرة ، يتحولون في قرننا الحالي، ولكن عندما يتعلم الحلم بمغادرة ، فذلك يعني أن الأمر جلل، أما لحدوث معاناة مستعصية عن تفكير العقل البشري ، كما أومأ إلى ذلك كافكا في رواية المسخ، لان السارد يكون في ذاته قد أعلن عن تأشيرة مرور إلى النسيان وعدم المبالاة وكأن شيئا لايريده أن يمر أمامه ، وكثير منا يأنف إن يصبح أو يمسي بانسا ن كان قد أذاه ، ولكن ماليد حيلة ، لانه يسكن نفس المدينة، إن يتركب فلوله من شخص تراه يوميا ، وقد ترك ألما وجرحا وهدية .
ومهما كانت نهاية السعادة في عمر وسن الإنسان القصير ، فهو لايمكن إن يستني الشي الجميل ، مها كان هول المأساة قافيا ، إلا إن استقبالها أثناء التفكير لا يمكن ان يكون فوق فرس اصيل ، بل سيكون الحزن مخيما وجثة تتهاوى من تعب العضلات و وطرخبة المشي.
قد يكون الأمر جلل عندما يمس خريطة البيولوجية الداخلية ، ويتأذى فصيل من نعمة التنفس عندئذ يكون السارد قد أجحف بنعمة الرئة ، ولكن في جمالية الشكلانيين الروس يمكن إن يتعدى منظر القبح إلى جمال ولو لحظات، عندما يشوه جمالية التنفس لديك سيجارة تحمل سما أو عصية تحمل دمارا ،ولكن بطبعه البشري ـ يتقمص البطل حكاية اليرقات التي كانت في المقطع الأول هي هدية تقلمز بها حركة يديه ، يشدهما مستمعا إلى لقمان، في صوت الحكمة، حيت تتحول السخونة بالإحياء إلى مجرد صفيح بارد لا ينظر إليه الناس إلا في وقت الصر والقر، حيث تخرج الآهة ممزوجة بتقاطيع خنجر معقوف يقطع الدموع أملاحا، ومهما كانت الراحة شبيهة كلوحة الزرقة لتجسيد لون السماء لا يكفي..لان تغرب الوحيد، في ذاتك يحن الأمر مهما بلغ به إلى أريج وشمشومة إنسان، مهما علق فيه العرق الخاثر، تكفي صولته خطوة الأسد،
إن الوضع في المقطع من الداخل، أشبه بحفرة ، حفرها إنسان ومضى هاربا ، وترك يرقات كبرت بحجم الخطان النافذان..ولا يمكن للسارد إلا إن يعترف بان ذلك الشئ أغم بطلتها قد سقط كوكب، لا تدري في المجرة ، ولكنها كان كوكبا، لأنه حرك اليرقات..في هديتها…
- الأمل في حصيد الكلمات
تقول الشاعرة فاطمة داودي
على جدار دورة الهواء
يفتح نافذة تطل على جبل ثائر
عاصفة رملية تجفف روحه المبللة
على أشرعة الريح
عيون بحر لم يستيقظ
من برودة غرفة بائسة
قلبه لم يعد يتحمل زحف الجليد نحوه
أخبرني انه يتقبلني كما أنا فصول متضاربة
أخبرني أننا سوف نستيقظ معا في عيون طيور مهاجرة
أخبرته إن يكون ذئبا ينهش عصر الجليد القاتل
ويشعل فتيل الدفء في غرف الكلمات
ويغني أغنية حب
القاعدة العامة ، التي يعرفها كل الناس، أن الحصول على قبس من نور، قد يوصلك إلى نارـ اوضياء، بهذا التميز المتفاظل، وقعت الساردة لبطلتها حكاية الغريق الذي استيقظ ووجد إلى جنبه في رواية الخميائي للأرجنتيني باولو كويلو ، إلذي ظل يبحث عن كنز في الاهرامات ، وعذب ورجع من جديد يبحث عن الأمل في إيجاد الكنز.
الشاعرة فاطمة داودي من خلال سفرياتها وقراءاتها المستمرة تأثرت بلفيف من الإعمال الكبرى لمشاهير الروايات ككافكا وبولو كويلو وغيرهم،
لقد حركت صورته الساردة في عمقها باستقبال جذوة من نار ، لعلها ترتقي لتداوي ثقوب الهواء، رغم إن الجليد قد أمعن النظر في طوله، وانزياحاته المستمرة ، ولكنه لم يأبه إذا عرف كيف يذيب الجليد لان البحث عن الدواء في زمن الكورونا التشبث بكل بريق.
وفي طريقة الإخبارعندها أشبه بمن يمد يده لإنقاذ غريق ،
وفي الأخير ترجع الساردة إلى عقلها الكبير المنصهرة في شهوديات العالم سفريات، تتقلب الميزة الحكيمة على أشياء ظلت تكتبها وهي من صنعت أطوار نهايتها
إن فلسفة البوح في هاته القصيدة تمثل تمرن الأسطورة الشخصية لشاعرة نافذة تملك الحس الشعري ومتشبعة بالبنية السردية ، خلافا على تأثرها بأعمال كثيرة لأدونيس وملحم المفيد وعلي العلاق ونزار قباني..
فعلا الشاعرة كما ذكرت تملك الحس النافذ القوي، والطيبة القوية ، إذ كان بالإمكان إن تميط اللثام دون تردد وتنزع رذاذ الآفل في جوره أو العاطب في صولتها إلى ماوراء الحقيقة، ولكن عملياتها التقنية التي تبدعها، أصلت إلى قوة السبك في المعنى وكأنها تشرف على براعة اختراع في مخبر الشخصية الأسطورية النافذة ولنا عودة لدراسة البنيات السردية في قصيدة ثالثة ..بطريقة اكاديمة….


