مراسلة من باريس /
د عبد القادر قطشة

استقالة الوزير الأول الفرنسي هذا الصباح كانت متوقعة من الملاحظين السياسيين، وهذا منذ الانتقادات المتواصلة في تسيير الأزمة الصحية لفيروس كورونا في فرنسا.
لكن الشيء الذي زاد في تعجيل استقالة “ادوارد فيليب” Edouard Philippe هو هزيمة حزب الرئيس الفرنسي “ماكرون” Macron في الانتخابات البلدية نهاية شهر جوان المنصرم، حيث حصدت أحزاب البيئة والتي تعرف بالخضر Les verts أغلبية البلديات التي كان تتربع عليها الأحزاب التقليدية منذ عقود.
فكانت رسالة واضحة عن تدهور شعبية ماكرون أو أن سياسته المنتهجة منذ وصوله قصر الإليزيه لم ترق المواطن الفرنسي، وأن الرسالة المستخلصة هو هروب الناخب الفرنسي عن الخطب الشعبوية الفرنسية الذي لم يحقق مطالبه.
وزادت الأزمة الاقتصادية التي بدأت تعصف بالدول الغنية نتيجة جائحة كورونا ومنها فرنسا تذمر الفرد الفرنسي، الذي يرى أمامه صورة قاتمة عن الوضع الاقتصادي والسياسة المنتهجة من الحكومة الفرنسية. وعرفت ولاية “ماكرون” منذ 2017 مظاهرات في عدة قطاعات، بداية بما يعرف بالسترات الصفر نتيجة الزيادات في الوقود، والضرائب، والرفض الإجمالي لمشروع التقاعد الذي بادرت به الحكومة الفرنسية، وشُلّت فرنسا مدة ما يقارب الثلاثة أشهر، ثم صاعدت كورونا الأزمة أكثر.
ورغم أن “ادوارد فليب” مقرب من الرئيس “ماكرون“، ولم يكن يريد التخلي عليه، لكن السياسة فرضت استراتيجية أخرى، خاصة أن الانتخابات الرئاسية الفرنسية لم يبق لها الكثير، فأقل من سنتين، على الرئيس الفرنسي أن يغير سياسته بتغيير الحكومة والتي منذ بدايتها عرفت استقالات بعض الوزراء خاصة وزير الايكولوجيا “نيكولا هيلو” Nicolas Hulotفي شهر أوت 2018 الذي لم تعجبه سياسة الايكولوجيا التي تسير بخطى قصيرة ليست كافية politique des petits pas insuffisantes – كما قال – وتوالت الاستقالات في عدة وزرات لأسباب متعددة، لكن الرئيس ماكرون بقي محافظا على وزيره الأول “فليب” الذي يرى فيه الرجل المميز والممتاز.
لكن الظروف تُغيّر السياسات والتموقع من جديد، وحتى المسؤول الصديق سهل التضحية به في مثل هذه الظروف والأحداث وهذا حفاظا على الناخب الفرنسي.
وربما هذ ما دفع بالرئيس الفرنسي إلى تعيين ريس دائرة سان سان دوني Seine Saint-Denis “جون كاستكس Jean Castex ”
المقرب جدا من الرئيس الفرنسي السابق “نيكولا ساركوزي” وهذا جعل بعض المحللين يقرّون بأن ظل “ساركوزي” حاضر في السياسة الفرنسية مع مجيء “ماكرون” للحكم. فهل هي عودة اليمين إلى الحكم؟
ف”ماكرون” يبحث عن ثقة الفرنسيين في المرحلة القادمة ولا يريد مزيد من الإخفاقات ليستعد للترشح للولاية الثانية، فرغم أنه لا يوجد منافسا قويا له في الساحة إلى حد الآن، لكن كل التوقعات والمفاجآت قد تحدث. فقبل 2017 الكثير لا يعرف من هو “ماكرون” هذا الشاب المصرفي الذي صعد بسرعة وتقلد مناصب عليا حتى يصبح رئيسا في وجود وجه سياسية قديمة من اليسار واليمين بشقيهما المتطرف والمعتدل، ليصل سدة الحكم وببساطة.


