تابعت السبت الماضي البرنامج التلفزيوني تحقيق حصري enquête exclusive في القناة التلفزيونية الفرنسية M6، وهومن أهم برامج هذه القناة، المنافس لبرنامج Complément d’enquête لفرانس 2.
وكان هذا العدد خاص عن الجزائر.
وقد تمّ الترويج له قبل البث بأنه عمل استغرق مدة سنتين، برغم التضييق – حسب منتجي البرنامج – من السلطات الجزائرية واستخدموا الكاميرا المخفية في كثير من الأحيان، وغيرها….
لكن من حيث مهنية هذا التحقيق، نلاحظ أنه انطلق من خلفية ما (أي النتيجة) وبنى عمله على هذا الأساس، وليس الوصول إلى النتائج من خلال التصوير والحوار وغيرها طيلة انجاز التحقيق.
وهذا يُبين ان النية المقصودة هي ليس الوقوف على حقائق يثبتها التصوير، ولكن ما يريده أصحاب هذا الإنتاج. أي الهدف.
وبالتالي فهو عمل خال من الموضوعية بل القصد هدف معين!
ننتقل إلى الاستهداف ciblage من التحقيق، بداية يتواجد عدد قليل من السواح الفرنسيين في الجزائر وتيبازة، وتطرق التحقيق أن هؤلاء السواح مراقبين من رجال الأمن. وليست لهم حرية التنقل.
وهذه مغالطة لأن الرقابة الأمنية إن وجدت تكون عن طريق رجال المخابرات في حالة ما كان هناك ما يهدد أمن البلاد، أما رجال الأمن فقد كانوا بالزي الرسمي للشرطة وسيارات المرافقة، وهذا حفاظا على أمن السائحين.
فنحن نعلم أن السياحة في الجزائر تضررت كثيرا كقطاع اقتصادي بعد انتفاضة أكتوبر 1988، وصعود الجبهة الإسلامية للإنقاذ (الفيس) وسيطرتها على أغلب المجالس البلدية المنتخبة آنذاك وقامت بغلق دور السينما والثقافة، وأرادت فرض نمطا سياسيا مغلقا.
وبعدها دخلت الجزائر في دوامة عنف عرفت بالعشرية السوداء. ثم بعد ذلك أغفل بوتفليقة هذا القطاع طيلة حكمه.
وأصبح مجيء السواح إلى الجزائر يكون مرفقا بالتغطية الأمنية حفاظا على أرواحهم… ولكن أصحاب البرنامج أرادوا لهذا تسويقا مغالطا.
الاستهداف الثاني هو اختيار امرأة تسوّق ألبسة الحجاب عن طريق شبكات التواصل الاجتماعي، وأصبحت نجمة في نظر متتبعيها – ويمسى هذا بالنجوم الافتراضيين – وهذه السيدة تقوم ببيع هذه الألبسة حسب طريقة ارتداء الحجاب التي جعلت لها معجبين – لكنها طريقة تركية الصنع والتصور Look، وأدخل التحقيق التلفزيوني المشاهد في أشياء سطحية، حيث تم تصويرها في بيتها ومع زوجها ورحلتهما إلى فندق خمسة نجوم، وحياة خاصة.
السؤال ماذا أراد صاحب التحقيق الوصول إليه؟ لا شيء.!!
والاستهداف الثالث فتاة “مترجلة”، تعيش حياة رجولية مع أصدقاء لها، وأنها لا تجد حريتها في البلاد، ومن والديها.
وهذا ليس بالجديد فهناك الكثيرات والكثيرين من يعيشون هذه الحياة وهي خاصة بهم ومن منع حريتها؟ فأردت أن أعرف المغزى من هذا المشهد فلم أجد سوى كلام وتصوير سطحي.
الاستهداف الرابع في ولاية سطيف والشاب الذي تحصل على شقة أصبحت ملكه بعد سنوات من الانتظار، لكنه صدم لما رأى حالة الشقة… بالنسبة لحالات الشقق من هذا النوع فهي تعود إلى المقاولين الغشاشين والفاسدين، ومن الذين يتابعون عملية الإنجاز ويمضي على تطابق العمل المنجز.
لكن ليس بذلك الحوار الذي تناوله المحاور مع ذلك الشاب، فكان كلام لا مغزى له.
حتى لا أطيل ما أردت قوله إن الهدف كان قبل انجاز البرنامج وبالتالي ليس تحقيقا تلفزيونيا موضوعيا، وتمّ استغلال بعض الصور والحوارات مع أشخاص بالتطرق إلى مواضيع معينة وتصوير مناطق معينة، فكانت تبدو الجزائر كقندهار الأفغانية باستغلال صور مثلا في منطقة “شلغوم العيد” وأن الأطفال قبل وصولهم سن التمدرس ال ست سنوات، يلتحقون بجمعيات دينية مثل جمعية الارشاد والإصلاح ويتعلمون من خلالها التطرف الديني.
وأظهروا إحدى المعلمات تتكلم بطريقة متعصبة من أن الجزائر مسلمة ولا بديل عن الإسلام…
والشيء المضحك المؤسف في آن واحد هو أن معد برنامج تحقيق حصري Bernard de La Villardière استغل الحراك في باريس وتنقل يوم السبت صادف خروج بعض الجزائريين في تجمع بساحة الجمهورية، فكان الغالبية يظنون أنه جاء لمساندتهم، وراحوا يلتقطون الصور معه، وبثها في شبكات التواصل الاجتماعي.
لكنه في الحقيقة جاء لا تمام تحقيقه، حيث يقوم بتقديم فقراته غالبا في مكان تصوير التحقيق، وبما أنه لم يكن في الجزائر فقد استغل الحراك في فرنسا.
والهدف الأسمى لأصحاب هذا التحقيق التلفزيوني هو استقطاب السبعة ملايين مشاهد جزائري في فرنسا فقط، وهو رقم مهم جدا في نسبة المشاهدة التلفزيونية.
حقيقة أتأسف لأن إعلامنا لم يصل أو لم يستطع أن يكون محترفا بالقدر الذي يطرح مشاكل الجزائريين ويوصل رسالة المواطن بكل موضوعية وباحترافية إلى أصحاب الحل.
فمتى سننجز برامج ذات مستوى عال، ولا ننتظر من قنوات ووسائل إعلامية أجنبية أن تطرح قضايانا، ومشاكلنا، لأنها ببساطة لم ولن تكون موضوعية.


