إن التراكم التاريخي للتجربة الإعلامية التاريخية تحتاج اليوم إلى تلك العملية العميقة التي يتم فيها الاستثمار في طاقاتها الحيوية، وهو ما يجعلنا نقف اليوم بعد أكثر من نصف قرن على الثورة التحريرية وجد جيل الألفية الثالثة نفسه في مواجه مع حرب جديدة كان أجداده قد خاضوها من قبل، وإن كان الأجداد قد تحصلوا على الاستقلال إلا أن الجيل الجديد فرض عليه استكمال ملفات أكثر خطورة من تلك التي تمت تسويتها وليس أمامه من رهانات سوى كسب المعركة الجديدة مهما كانت التكاليف.
الدكتور محمد بغداد في ظل إكراهات الظروف الخاصة غير المعروفة وتلك المتداولة لدي الرأي العام، فضل القائمون على المؤسسة الإعلامية الرسمية خوض معركة جديدة تتعلق بمعركة الذاكرة وجعلوها عنوانا لقناة تلفزيونية، باعتبارها الوسيلة المثلى لاستعادة السيادة على الذاكرة الجماعية والحصول على استقلال يخلص الوعي الجمعي من شوائب الاستعمار التقليدي، وهي المعركة التي تواجه جبهات متعددة تفرض الطبيعة حتمية كسب رهاناتها.
عتبات التجاوز
إن أهم مشكلة توجه مشروع (قناة الذاكرة) وما سيأتي بعدها من مشاريع أخرى يكمن في كيفية تجاوز الحالة السلوكية والوضعية الشعورية للأجيال الجديدة التي تجد نفسها متورطة فيها، فهذه الأجيال تمكنت التكنلوجيات الاتصالية الحديثة من السيطرة عليها وجعلها في قبضتها، وهذه الوضعية ليست محصورة في بلادنا بالضرورة، وإنما هي ظاهرة عامة في أغلب المجتمعات المستهلكة لمنتوجات القوى الكونية المنتجة للتكنلوجيات الحديثة.
إن ظاهرة اختطاف الأجيال الجديدة والسيطرة عليها والتحكم في منظوماتها الأساسية، تتطلب اليوم من مثل مشروع (قناة الذاكرة) مواجهة المخاطرة التي تفرضها هذه الحالة، مما يتوجب أن يكون المنتوج الإعلامي التاريخي متناسبا مع المنظومة الجيلية الجديدة، وهو ما يعني بالضرورة أن يسمح لهذه الأجيال المشاركة في هذه المشاريع مع إزالة كل العقبات والموانع المتوقعة، وجعل هذه المشاريع فرصة لهذه الأجيال حتي تثبت جدارتها وتكسب شعور المشاركة في صناعة الواقع، وسيكون من المفيد لو يتم اسعاف هذه الاجيال بتلك القدرات التي تمكنها من الحصول على تلم الطاقة التي تبرز قدراتها وتجرب خيالتها، وتتولى هي نفسها إعادة إنتاج المحتوى الإعلامي للتاريخ.
جبروت الإبداع
إن أهم ما تتميز به التكنلوجيات الإعلامية العاصرة أنها تعتمد في انتاج المحتوى على الذكاء والبراعة وفتح المجال أمام الخيال الخلاق خاصة للأجيال الجديدة والتي تبتعد عن تلك الانماط الانتاجية التقليدية التي أصبحت تعيق الكثير من المشاريع الحالمة، وهو الأمر الذي يتطلب اليوم التفطن إلى المفاهيم والقوالب والانماط الحديثة في انتاج المحتوى القابل للمنافسة والذي يملك جانبية الاقتداء ويتسلح بتلك الطاقة والقدرة التي تتمكن من ممارسة الحجاج وليس الاحتجاج.
إن المشاريع الإعلامية الحالمة بقدر أهميتها الكبرى بقدر ما يشكل تنفيذها في واقع الناس مشكلة حقيقية، كونها تتكون من تعقيدات التاريخ ومشكلات الذاكرة ودهاليز التكنلوجيات الحديثة المتميزة بالتعقيد، وهنا ياتي الدور الحاسم لتك الطاقة الابداعية التي يمكنها تجاوز العتبات المتوقعة، ومن خلال طاقة الابداع يمكن اعادة صياغة التاريخ وجعله يمتلك شهية الاستهلاك الذي يتحول إلى طاقة لصناعة الشعور الجمعي وبناء جسور التواصل ويضمن بناء أسس الانتماء الجماعي.
إن مثل المشاريع الحالمة يندرج في سياق الأمن القومي الذي تتولاه المؤسسات القوية والنخب الذكية التي تبدع في صناعة المبررات الوجودية لمثل هذه المشاريع، وهي الجهات التي يفترض أن تكون قد تخلصت من أمراض الماضي وأزمات المماحكة الماضوية، جهات مقتنعة بأن المستقبل تبنيه العبقريات الجبارة والنفوس التواقة إلى آفاق جديدة غير تلك المألوفة، دون أن تغفل الـتأثير المطلوب والالتزام المفروض بالقواعد العلمية الصارمة، والتي تمتلكها الأجيال الجديدة التي لها من الرغبة في التطلع إلى أزمنة جديدة يكون للجماعة الوطنية موقع مؤثر في المفاصل الكبرى للحياة.
هيمنة التقنية
قد يكون من المفيد التأكيد على ضرورة الانتباه إلى تلك المخاطر المحدقة التي تشكلها التكنلوجيات الاتصالية الحديثة، والتي تراهن على إعادة صياغة المنظومة البنوية للإنسان، والذهاب نحو إنتاج إنسان بمنظومة تتحكم فيها القوى الكبرى المهيمنة على أدوات صناعة المنتوج الإعلامي، وبالتالي صناعة الإنسان (الكوني) الذي يتميز بالخصائص والمميزات سلوكا وتصورا وممارسة، بتلك المحددات الفلسفية والايديولوجية التي ترتضيها المنظومة الكونية التي تتحكم في إنتاج المحتوى الإعلامي.
إن الادراك العميق للأبعاد الجوهرية التي تقوم على المنظومة الكونية لتكنلوجيات الاتصال الحديثة، تفرض على المستهلكين في فضاءاتنا المتخلفة المسارعة إلى الانكباب على التفطن لمخاطرها الحقيقية، والعمل على تجنب الوقوع في المغامرات غير محسوبة العواقب، خاصة إذا تعلق الأمر بالمنظومة الشعورية والعاطفية للمجموعة الوطنية، وهي المنظومة المقدسة التي تكون خطورة الاخفاق في التعامل معها لها تكاليفها الباهظة وخسائرها المؤلمة.
فقد أثبتت الحقائق الواقعية أن المشاريع القوية اليوم في عالم التكنلوجيات الاتصالية الحديثة، هي تلك التي ينفذها الخبراء ويتابعها المفكرون، فمستويات الإبداع الذكي هو ما يسند المشاريع، والأهداف المرجوة هي التي تضمن جبروتها وتأثيرها المنتظر. مما يجعلنا أمام المسارعة إلى إعادة النظر في علاقتنا بالتكنلوجيات الاتصالية الحديثة، والذهاب نحو الفضاءات ذات المردود النوعي والمؤثر في الحياة، وهو ما ينسحب على باقي الممارسات الإدارية اليومية، وتوريط المجموعة الوطنية في المضمار التكنلوجي الذي يرفع من الأداء ويحسن من الممارسة.
كثافة التدفق
من غير المعقول تصور امكانية نجاح مشاريع مهما كانت بدون المساهمة الفاعلة للنخب التي يفترض أن تكون الخزان الذي يوفر شروط وضمانات النجاح للمشاريع، وعندما يتعلق الأمر بالمشاريع الحالمة فإن الحاجة إلى النخب الفاعلة التي تكون قادرة على صناعة المحتوى التاريخي الذي تحتاجه المجموعة الوطنية لكي تواجه بها حتميمات المستقبل وإكراهات الحاضر، وهي النخب التي تتجنب الفردية والنزعات العاطفية والاتجاهات الانطباعية، التي تكبدت نتائجها مجتمعاتنا الكثير من الخسائر.
إن إمكانية حصول مشروع (قناة الذاكرة ) على فرص النجاح مرتبط بالضرورة بما تحصل عليه من دعم وتدفق ومساهمة من النخب الذكية والنوعية، ليست بالضرورة بقايا ما هو موجود في الساحة، فقد أثبتت المراحل السابقة أننا بحاجة إلى مستويات نوعية من النخب وفاعليتها في عمل المؤسسات ورفع مهاراتها الانتاجية، وهو ما يتطلب اليوم القيا بمراجعة دقيقة لتراكم النخب وانجازاتها في المراحل الماضية، وهي المراجعة التي سيكون لها تكاليفها، ومن الضروري توفر المسؤولية المناسبة لتحمل نتائجها. والمقصودنا يتمثل في تلك الطاقة الحيوية المتمثلة في الأجيال من النخب التي تمتلك ذهنية المؤسسات، والتنظيم الحديث الذي يعطي الأولوية للابتكار والابداع والمغامرة الذكية، وهي الملامح التي تكتسبها النخب الحديثة ولها من التقاليد والمهارات الكفيلة بإنتاج محتوى تاريخي يكون من الممكن الاستثمار فيه في المشاريع الإعلامية التي ترغب في إعادة بناء المشروع القوى للمجموعة الوطنية.
الفضاء المبسوط
إن مثل هذه المشاريع التي تكسب صفة المغامرة محفوفة المخاطر، بقدر ما تعطي لأصحابها شرف خوض المعركة والاستعداد لتقديم التضحيات المطلوبة وتحمل تبعات ما تفرضه قوانين حروب العصر الجديد، وما تفرزه من واجبات يفترض المسارعة إلى القيام بها، إلا أنها في الوقت نفسه تتطلب مستويات عالية من المسؤولية الأدبية والأخلاقية، التي تكون سندا منيعا أمام المخاطر المحدقة بها، وهو التدفق الذي يوفر الأجواء الفاعلة التي تستمد مها الأجيال الجديدة، ويكون على المؤسسات المستأمنة على المنظومة المعرفية والعقلية للجماعة الوطنية التكاليف الكبرى التي يتوجب القيام بها والعمل على تسهيل تدفق معرفي وثقافي ينطبع بالذكاء والبراعة والسرعة والقدرة، على التكيف مع متطلبات واكراهات التكنلوجيات المعاصرة.


